موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦تتناسب الألفاظ وتتوارد داخل الأبيات لتعكس رؤية إسلاميَّة مستوحاة من حقائق قرآنيَّة ودينيَّة، ولتبرير الموقف العام للشَّاعر من الغرب والحداثة الغربيَّة، والتي يرى أنَّها هدم لقيم الدِّين الإسلامي وقيم الحياة وعلامة من علامات الفناء.
يقول محمد حسني بريغش: لقد كان واضحًا أنَّ المذاهب والمدارس الأدبيَّة جميعها تقوم على فلسفة لادينيَّة ماديَّة، وتعتمد في كثير من ركائزها على أساطير وثنيَّة قديمة، وقد يلجأ بعضها إلى تعاليم الكنيسة لكي يصيغ الأدب بمسحة روحيَّة، ولذا فإنَّ مناهج الدِّراسة الأدبيَّة أصبحت تعكس هذه الرُّوح، والتي هيمنت على الآداب الغربيَّة، ولم تهتمَّ هذه المناهج إلَّا بما يتلاءم مع الرُّوح الغربيَّة الماديَّة التي سادت، وليس غريبًا بعد ذلك أن نرى أنَّ كلَّ شذوذ في أصول الأمَّة وأخلاقها، أو قواعد لغتها يعدُّ في نظر هذه المناهج تجديدًا وتطويرًا (1).
فما هو موقف محمد ناصر من هذه المناهج الحديثة؟، وما هو موقفه من لغة الحداثيِّين؟، وما هو موقفه من رؤيتهم للأدب العربي القديم؟.
إن استطاع محمد ناصر أن يمارس الكتابة أدبًا ونقدًا، فلا ريب في أنَّ ولعه باللُّغة العربيَّة كان أكبر معين على هذه الممارسة، لغة القرآن الكريم ولغة الشِّعر العربي القديم، الذي يرى أنَّ قاعدته البيانيَّة والأسلوبيَّة ترتبط ارتباطًا حميمًا بعقيدة الأمَّة وموروثاتها الثَّقافيَّة عامَّة، من خلال ارتباطها بعنصرين شريفين مقدَّسين هما القرآن الكريم والسُّنَّة الشَّريفة (2).
ويقدِّم محمد ناصر شرحًا وافيًا لموقف الحداثيِّين من اللُّغة في قصديَّة ادِّعائهم التَّجديد، للنَّيل من كلِّ لغة شعريَّة تستمدُّ من التُّراث الإسلامي، وتصدر عن الثَّقافة الإسلاميَّة معتبرين هذه الثَّقافة قيدًا من القيود التي ينبغي الثَّورة عليها، وتحطيمها وتجاوزها إلى لغة معاصرة أخرى، لذا لا تتعجَّب حين نسمع (3) لمن يسمِّيه محمد ناصر برائد الحداثة (4) يقول
(1) محمد حسني بريغش: "الأدب الإسلامي أصوله وسماته"، ص 26 - 27.
(2) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 33.
(3) المصدر نفسه.
(4) المقصود برائد الحداثة هو: أدونيس.