الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

عن الثَّقافة الإسلاميَّة: الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة اليوم بفعل هذه البنية المعرفيَّة المهيمنة فائض من الكلام تجريدي غيبي، يتحرَّك في معزل عن حركيَّة الواقع، وفائض من الأدوات والأشياء، يتحرَّك في معزل عن اللُّغة (1).

إنَّ اللُّغة إذا أضفنا لها الفقه كان المقصود بفقه اللُّغة، معرفتها واستنباط الأحكام الغائبة الكامنة فيها هو مشاهد محسوس من واقعها، في خصائصها التي تجري عليها في صياغة الكلمات مفردة ومركَّبة … واللُّغة بين اللُّغات كالفرد بين المجتمع، والأمَّة بين الأمم، لها شخصيَّة مستقلَّة وجبلََّة متميِّزة، وإن فقدتها ذابت وفنيت في غيرها (2).

يتفطَّن محمد ناصر لهذه الظَّاهرة ويسمِّيها: بالتَّفجير اللُّغوي، الذي يؤدِّي حتمًا إلى تفجير أهمِّ مقوِّم من مقوِّمات الإنسان المسلم، وهو القرآن الكريم، بصرف المسلمين عنه، وانشغالهم بلغة مشتَّتة مفرَّقة، وهي دعوى استشراقيَّة معروفة، فهم يعرفون بحسِّهم اللَّاديني أنَّ أهمَّ مقوِّم لوحدة الأمَّة الإسلاميَّة هي لغة القرآن الكريم (3).

يقول أدونيس: إذا كان التَّغيير يفترض هدمًا للبنية القديمة التَّقليديَّة، فإنَّ هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التُّراث العربي، وإنَّما يجب أن يكون بآلة من داخله، إنَّ هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته (4).

يريد - بكلِّ وضوح - هدم الأصل من الدَّاخل، باسم التَّحديث، وباسم الفنِّ والأدب، هذا الهدم الذي يقول عنه محمد ناصر: إنَّ الحداثيِّين يقصدون إلى الهدم لا إلى البناء، وإلى التَّفريق لا إلى التَّوحيد، فإنَّهم يقدِّمون نظريَّاتهم تلك في أغلفة من ورق (السَّلفان) البرَّاق على الطَّريقة الغربيَّة … بدعوى العالميَّة والتَّفتُّح، والإنسانيَّة والعصرنة …

(1) الإسلام والحداثة (مجموعة من الحداثيِّين) أنظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة" ص 34.

(2) محمد محمد حسيني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، ط 2، 1988 م، ص 56.

(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 34.

(4) الثَّابت والمتحوِّل: أنظر محمد حسني بريغش، "الأدب الإسلامي"، ص 151.