الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

يشترطون حتَّى يكون الأديب عالميًا أن ينسلخ من مقوِّماته الخاصَّة به: لغة ودينًا وقيمًا (1). وقديمًا لاحظ ابن خلدون في مقدِّمة تاريخه أنَّ الضَّعيف مولع دائما بتقليد القويِّ الغازي، وذلك حقٌّ، ولكنَّه ليس كلُّ الحقِّ، فالضَّعيف حينما يقلِّد القويُّ ينقل أسوأ ما عنده، لأنَّه لا يقوى على احتمال تكاليف ما يمتاز به من أسباب الرِّفعة والقوَّة، ويقعد به ضعف همَّته عن الأخذ بالوسائل والأسباب (2).

إنَّ هذا التَّقليد الأعمى ألغى مكانة اللُّغة العربيَّة ودورها في ازدهار الثَّقافة والحضارة الغربيَّة، أين كان الغربيُّون يتباهون بمعرفتها، ونقلوا بفضلها الكثير من علوم الطِّبِّ والفلك والرِّياضيات والطَّبيعة عن التُّراث العربي.

يذكر محمد ناصر أنَّه قد سأل أحد المستشرقين الفرنسيِّين المعاصرين وهو (شارل بيلا) أثناء زيارة له لإحدى البلدان العربيَّة، ماذا تقرأ؟، الأدب العربي القديم أم الحديث؟، فأجاب بل أقرأ الأدب العربي القديم وحده، فسأله محاوره لماذا لا تقرأ الأدب العربي الحديث؟، فأجاب: لأنَّه أدب أوروبي مكتوب بحروف عربيَّة … (3).

إنَّ اختلاف لغات النَّاس واختلاف طبائعهم وألوانهم وأذواقهم وشرائعهم ومناهجهم من سنن الله، التي تجري على علم قديم، لحكمة يجب أن تكون موضع التَّسليم من كلِّ مؤمن (4)، عملاً بقوله تعالى: ( .. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ … ) (5)، ومن هنا كان تميُّز المسلمين عن سواهم ومخالفتهم ونهيهم عن التَّشبه بغيرهم ومتابعتهم (6).

(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 37.

(2) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، ص 64.

(3) محمَّد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 39.

(4) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللُّغة"، ص 67.

(5) سورة هود، الآية 18.

(6) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللّغة"، ص 68.