موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩من أجل ذلك كان لكلِّ أمَّة منهاجها النَّابع من واقعها الذي طبعت عليه ووكلت به، لا أن تأخذ من غيرها فتصبح أمَّة ضعيفة عاجزة.
وفي تحديده لموقف الحداثيِّين من الأدب العربي القديم، يتساءل محمد ناصر: ما الذي تنتظره من أدب انسلخ من جلده، وتنكَّر لأصله، وثار على نسبه؟.
ما الذي تنتظره من أدب تابع للفلسفات الغربيَّة الملحدة، من السِّرياليَّة، واللَّامعقول إلى الوجودية والعبثيَّة؟، وهي إن اختلفت في الأسماء، فهي تلتقي كلُّها في هدف واحد، ألاَ وهو إنكار الدِّين وعدم اعتباره مقوِّم بناء وحضارة (1).
ظهرت هذه المذاهب التي أشار إليها محمد ناصر في أوربا في القرن العشرين، وكان أخطرها المذهب الوجودي، انجذب إليه جيل من الشَّباب الذين أعجبتهم فلسفته، التي تدعو إلى أن يشكِّلوا وجودهم بالطَّريقة التي تروقهم، في حريَّة، تبلغ حدَّ الفوضى في تحرُّرها من الدِّين والعرف والأخلاق، واختلط في هذا الجمع من الوجوديِّين الشَّاعر والأديب التَّائه المتشرِّد والضَّائع المنحلِّ (2).
تأثَّر أدبنا العربي المعاصر بخليط من هذه المذاهب الغربيَّة، امتزج فيه تأثُّر الرومانسيَّة بالرَّمزيَّة والواقعيَّة، وأصبح الطَّابع العام الذي يميِّزه هو روح الثَّورة التي تهزُّ التَّقاليد والأعراف، في شكل الشِّعر وفي مضمونه، وفي لغته (3)، لقد ظهرت طلائع هذه الاتِّجاهات في شعر العرب المهاجرين في الأمريكيَّتين مثل: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، رشيد سليم الخوري (4).
إنَّ ناصر يصف هذا الأدب باتِّجاهاته المختلفة أنَّه يخاطب في - الإنسان الجانب المظلم فيه، ويخاطب فيه غريزته وشهوته وهبوطه، ويمجِّد ذلك على أنَّه الواقع الذي لا مفرَّ منه (5).
(1) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 40.
(2) محمد محمد حسيني: "مقالات في الأدب واللّغة"، ص 29.
(3) المرجع نفسه، ص 30.
(4) المرجع نفسه.
(5) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة".