الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

أمَّا التَّوجُّه الذي يتبنَّاه النَّاقد فهو التَّصوُّر الإسلامي للوجود من خلال النَّفس المؤمنة المتفتِّحة بالإيمان، والتي ترى أنَّ هذا الجانب لا يستحقُّ أن يقال فيه الشِّعر، وتصفه القصَّة لأنَّه لحظة هبوط وليست لحظة ارتفاع (1).

إنَّه ينقد كلَّ هذه التَّوجُّهات من سرياليَّة ووجوديَّة وعبثيَّة، وماركسيَّة ورمزيَّة، وينسب أدبها إلى الرِّدَّة فيقول: ألا يحقُّ لنا بكلِّ إنصاف وموضوعيَّة أن نسمِّيه أدب الرِّدَّة والرَّداءة؟، ردَّة المضمون بمفهومها الإنساني، ورداءة الشَّكل، فلا لغة جميلة، ولا تعبير موحي، ولا خيال مبدع (2)، لأنَّه ومن خلال رؤيته الأدبيَّة الإسلاميَّة حريص على أن يلفت الحسَّ إلى النَّاموس الأكبر الذي يحكم الكون والحياة والإنسان، إنَّه يأخذ من الإسلام شموله وسعته وتعبيره عن فطرة الكون، ولذلك لا يحبّ أن يعرض الحياة مقطَّعة الأوصال مفرَّقة الأجزاء، فتفقد معناها الشَّامل ومغزاها العميق، كما تدعو إليه هذه الاتِّجاهات الغربيَّة، وإنَّما يعرضها كما هي في الحقيقة متَّصلة متناسقة مترابطة، ومحكومة كلُّها بقانون واحد كبير (3).

يعلن محمد ناصر إفلاس التَّيَّارات الحداثيَّة من خلال جملة من العوامل هي (4):

1. الأدب الحداثي أدب دخيل، أدب تابع مبتدع … ، غريب الوجه واليد واللِّسان، منقطع عن جمهوره تعبيرًا وتصوُّرًا، وينتقده في إحدى قصائده قائلاً (5):

وَحَدَاثَة زُعِمَتْ كَأَنّ حَدِيثَهَا … سُخْف تَمُجُّ سَمَاعَهُ الأبْقَارُ

بَارَت عُكَاظُ وَأقْفَرَتْ عَرَصَاتُهَا … مُذْ يَمَّمَتْ أسْوَاقَها الفُجَّارُ (6)

(1) محمد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 122.

(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 41.

(3) محمَّد قطب: "منهج الفنِّ الإسلامي"، ص 133 بتصرّف.

(4) هذه العوامل يذكرها بالتَّفصيل محمد ناصر في كتابه: حداثة أم ردَّة.

(5) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 321.

(6) المصدر نفسه، ص 323.