موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢٣١2. الانسلاخ عن الأصالة ممَّا أدَّى إلى الانفصام النَّفسي عند الأدباء الحداثيِّين؛ نتيجة تعلُّقهم بالحضارة الغربيَّة وتخلِّيهم عن تراثهم العربي الإسلامي، حيث يصفهم في الأبيات التَّالية بقوله (1):
قَالَ الحَدَاثَةُ مَذهَبي مَالي وَللـ … قدَمَاء تلْكَ مَقَابر وَغُبَارُ
وَالعَصْرُ عصرُ التكنُولُوجِيَا وَالمَوَا … هبُ أن تُفجَّرَ في المياه النّارُ
وَالفَنُّ تَجْريد لأَعْرَافِ الوَرَى … وَالعَيشُ رَكضٌ لاَهثُ وَنُضَارُ
وَالدينُ قَيْد مُلْزِم وَلُغَى القُيُو … دِ تَعَافُهَا مِنْ طَبْعِهَا الأشْعَارُ
مَالي وَلِلأعرَاب تَحدُو بالنيَا … ق تشُوقُها الأَطْلاَلُ والأَحْجَارُ
كما يتَّخذ أمثلة عن الانفصام النَّفسي والتَّبعيَّة للغرب في شاعر، وصف الشِّعر العربي القديم بأنَّه عقم مزركش وسخافة مكلّسة، وإنَّه مجرَّد خرق بالية يجب أن تمزَّق، وآخر أدَّت به صدمة الحداثة أن يتبرَّأ من اسمه العربي، وراح يطلق على نفسه اسم أحد الآلهة الإغريقيَّة (2).
ويعلِّق أحد النُّقَّاد على هذا الطَّرح بقوله: وقد كان الخلط بين المدارس الأدبيَّة المختلفة نتيجة لفقدان الأصالة والصِّدق الفنِّي، وصورة من الافتعال الذي يقابله الانفعال في الأدب الغربي، لم تكن هناك حقائق يعبِّر عنها ذلك الأدب سوى التَّقليد، ولم يزل ذلك الافتعال يتكرِّر حتَّى ترسَّخ وتأصَّل وأصبح انفعالاً حقيقيًّا (3).
3. إعلان القطيعة مع التُّراث العربي، واللُّغة العربيَّة، لغة القرآن، ممَّا استلزم الانفصال بين الحداثيِّين والمتلقِّين (القرَّاء)، حين صحب هذه الدَّعوة إلى التَّحرُّر باسم التَّحديث والتَّجديد مهاجمة لشعر التُّراث، محاولة أن تصرف النَّاشئة عنه، وتنفِّرهم منه، وتقرَّ في
(1) محمد ناصر: "الأعمال الشِّعريَّة الكاملة"، ص 323.
(2) ينظر محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 57.
(3) محمد محمد حسني: "مقالات في الأدب واللغة"، ص 40.