موقف محمَّد ناصر من الحداثة والحداثيِّين
الجزء ١ · صفحة ٢٣٢الأذهان خُلُوَّهُ من الجمال والأصالة، فسمُّوه شعر مناسبات، وأيُّ شعر يجيء بلا مناسبة؟ (1).
إنَّ الشِّعر هو ديوان العرب، فهو الحكمة التي تلخِّص تجارب الحياة وطبائع النَّاس وحقائق الوجود، وكان عزاء للمحبِّ وسلوى للمنكوب، وأسوة للمتأسِّي، لذلك أحبَّته العرب وشغفوا به، وإنَّ إلغاءَه مع لغة القرآن الكريم يحدث قطيعة بين الأديب والمتلقِّي، هذا الأديب الذي يقول عنه محمد ناصر: نزع العمامة العربيَّة، ولبس بدلاً عنها القبَّعة الفرنسيَّة أو الإنجليزيَّة (2).
وهكذا حكم محمد ناصر على هذا الأديب أنَّه افتقد أهمَّ مقوِّم من مقوِّمات الأدب، وهي الصِّلة بينه وبين متلقِّيه، لأنَّه أسَّس أدبه على التَّحوُّل الذي يثور في وجه القيم الموروثة: الجماليَّة والدِّينيَّة والخلقيَّة، واستبدلها بفلسفة اللَّذَّة والنَّزعة والشَّهوة أو الإباحيَّة (3). هذا من جهة، ولأنَّ هذا الأدب يخاطب المتلقِّي بلغة لا يفهمها من جهة أخرى، ومن هنا تنقطع الصِّلة بين الأديب والمتلقِّي، ويعلِّق محمد ناصر على هذا قائلا: … أدباء الحداثة لا يستخدمون جسور التَّواصل بينهم وبين الجمهور، لا لشيء إلَّا لأنَّهم إنَّما يخاطبونه بلغة لا يفهمها … اللُّجوء إلى الإبهام، والرَّمز الموغل في الغموض ورصف الكلمات بشكل تراكمي دون رابط معنوي أو خيط نفسي، ومخاطبة الغرائز بشكل سافل متقزِّز (4).
كلُّ هذه عوامل ساعدت على أن ينفر القارئ من الأدب الحداثي، وهكذا تحدث القطيعة، لأنَّه من المفترض في الأدب الجادِّ أن يستخدم الحداثة في منهجيَّة النَّشاط الفكري السَّليم، ولكن على أساس أن يكون هذا المنهج مرتبطًا بالعقل والوحي: لأنَّهما ضابطان جوهريَّان لحماية التَّجربة الحداثيَّة من الانزلاق نحو الهاوية (5).
(1) المرجع نفسه، ص 40.
(2) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 49.
(3) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي"، ص 508.
(4) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 50 - 51.
(5) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 518.