الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

الهجري، يتمثَّل ذلك في هذه العناية الفائقة التي أولاها الأوائل للحفاظ على القرآن الكريم … تتابعت محاولات الجمع هذه في بقيَّة العلوم الأخرى كالحديث، والشِّعر واللُّغة وغيرها (1).

في خضمِّ هذا الازدهار العلمي وتطوُّر حركات البحث، حاول المؤلِّفون أن يؤرِّخوا للعلماء والأدباء والشُّعراء والفقهاء وروَّاة الحديث، متَّبعين في ذلك مناهج مختلفة متنوِّعة، وبذلوا في هذا جهدًا كبيرًا، كما يخبرنا محمد ناصر في كتابه تراثنا الإسلامي والعصر، ولقد حذا حذوهم محاولاً الإحاطة بأكبر قدر من التُّراث الأدبي الجزائري، خاصَّة في مجموعة مجلَّداته المذكورة آنفًا، ويقول في إحداها: حاولنا أن نضع علامات على الطَّريق قد تهدي الباحثين المختصِّين إلى معالجتها بالتَّفصيل، وقد تكون حافزًا لطلّابنا على التَّوجُّه إلى البحث في التُّراث الجزائري فكرًا وتاريخًا وأدبًا .. ويكون لهم من الثِّقة بتراثهم وبتاريخهم ما يجعلهم يقفون أمام محاولات التَّنقيص، التي ما فتئ بعض المغرضين يردِّدونها (2).

أمَّا في القرون المتأخِّرة - حسب رأي محمد حسني بريغش - فقد أصاب المسلمين ألوان من الهزائم، وأخطر هذه الهزائم ما لحق في نفوسهم، وأرواحهم حتَّى فقدوا ثقتهم بأنفسهم، وبمميِّزاتهم، وقدراتهم، وتراثهم وآدابهم، وحين كان يعمد أحد إلى الالتفات إلى شيء من التُّراث على استحياء، يحاول أن يؤيِّد التفاتته بما يجد من مؤيِّدات عند الغربيِّين، بل ما يجد من موافقات بين ما في هذا التُّراث، وما توصَّل إليه الغربيُّون، لتكون شهادة للتُّراث، وسببا لقوله (3).

هذا ما يسمِّيه محمد ناصر (الانسلاخ من النُّموذج الأدبي القديم) حين قال: إنَّ الانسلاخ من النَّموذج الأدبي القديم هو أحد مظاهر الاختلال النَّفسي والفنِّي، لأنَّ هذا الأديب الذي ينسلخ من نموذجه الأصيل لم يأت ببديل، إنَّما وقع في إثبات نموذج دخيل،

(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، مكتبة الضَّامري للنَّشر والتَّوزيع، ط 1، السِّيب، سلطنة عمان، 1995 م، ص 27.

(2) محمَّد ناصر: "شخصيَّات جزائريَّة"، مج 2، ص 55.

(3) محمد حسن بريغش: "الأدب الإسلامي، أصوله وسماته"، ص 203.