الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩فصار مقلدًا للغريب، وجرَّد بالتَّالي التَّجربة الشُّعوريَّة من مصداقيتها، بحيث غدت غريبة عن صاحبها نفسه، وغريبة عن المتلقِّين الذين يفترض توجُّهها إليهم (1)، وأصبح أدبه بلا جمال وبلا إثارة في معظمه وخاصَّة الشِّعر، فجاء إمَّا مباشرًا لا متعة فيه، لأنَّ التَّعبير جاء كشفًا مباشرًا عن المعاني، وإمَّا رمزيًّا لا متعة في قراءته، إنَّما المتعة في اكتشاف معنى الرَّمز الذي يحتويه.
ويرجع عودة الله منيع القيسي هذا الضُّعف إلى عدم: اطِّلاع شعرائنا المحدثين على التُّراث، وعدم تزوُّدهم بثروة تعبيريَّة كافية وعدم تمكُّن سليقة اللُّغة من نفوسهم، لضعف اطِّلاعهم على التُّراث، إنَّ ما استقرَّ في نفوسهم هو لغة الجرائد والمجلّات، هذا هو الكلام الذي لا تقوم عليه ملكة لغويَّة رصينة، هذا سبب رئيسي، وإن لم يكن السَّبب الوحيد (2). كما يؤكِّد منيع القيسي على أنَّ الشَّاعر لن يكون كُفْءًا في التَّعبير عن شعوره، ويؤثِّر في المتلقِّين إلّا إذا: اطَّلع على صفوة التُّراث، على الأقلِّ القرآن الكريم والحديث النَّبوي الشَّريف، ودواوين الجاهليِّين والإسلاميِّين حتَّى القرن الخامس، وعلى نثر الأعلام كابن المقفع والجاحظ وأبي حيَّان التَّوحيدي والطَّبري، والمسعودي والغزالي وابن خلدون … (3).
في ظلِّ الأدب الحداثي الذي لا يعبِّر عن تصوُّر الإنسان لهذا الوجود، ولا عن فطرته الأصليَّة في الحياة، لذلك لم يكن أضيع على الأمَّة من هذه الموجات الأدبيَّة، التي تشغل النَّاس بالسَّفاسف، ثمَّ تمضي دون أن تخلِّف بناء أو أثرا (4).
في ضوء هذه التَّغيُّرات يبرز محمد ناصر الأهميَّة الكبرى للتُّراث العربي الإسلامي في بناء الحضارة الغربيَّة، ويشير إلى الجهود الغربيَّة الرَّامية إلى التَّهوين من شأنه في نفوس أبنائه، من خلال تجنيد المستشرقين للطَّعن فيه وتحقيره، في الوقت الذي يحرص فيه الغرب على جمع كنوز هذا التُّراث في مكتباته للاستفادة منه، فيقول: إنَّ الغرب الصَّليبي كان وما يزال
(1) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 32.
(2) عود الله منيع القيسي: "تجارب في النَّقد الأدبي التَّطبيقي"، ص 72.
(3) المرجع نفسه، ص 73.
(4) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي"، ص 60.