الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠يتعامل مع تراثنا بحسِّه الاستعماري المبنيِّ على المصلحة الآنية والمنفعة المادية، فهو يشجِّع المستشرقين من أبنائه وغيرهم بكلِّ المساعدات الممكنة، ويوفِّر لهم مجالات العمل من جهة، ولكنَّه من جهة أخرى يهرِّب هذه الكنوز والآثار إلى مكتباته، وهو اعتراف ضمني - لا يمكن أن يتجاهله - بقيمة هذا التُّراث العظيم الذي أنار له درب المدنيَّة والحضارة (1).
أمَّا في ظاهرة الاستنزاف والدَّمار الذي يتعرَّض له التُّراث العربي في الجزائر، فيستعرض محمد ناصر الأساليب الهمجيَّة التي اتَّبعها جنود الاحتلال للقضاء على هذا التُّراث، ويذكر إحراقهم لجانب كبير من مكتبة جامعة الجزائر، وتهريبهم لمخطوطات ثمينة، لا تقدَّر بثمن لمكتباتهم في باريس، وفرساي، وألمانيا وبولونيا، حتَّى بات المثقَّف العربي المسلم: يبحث عن تراثه في تلك الخزائن (المكتبات الأوروبيَّة) ويتحمَّل الباحث العناء المادي والأدبي بحثًا عن مخطوط أو وثيقة تاريخيَّة (2).
وفي كتابه (صدمة الحداثة) يخبرنا محمد ناصر أن ما يصدم الضَّمير الجمعي العربي الإسلامي من مثل هذا التَّعريف هو أنَّ الحداثة ظاهرة تتمثَّل في تجاوز القديم العربي، تصهره في قديم أشمل … لقد كان الأولى أن نطلق على هذه النُّصوص المتجرِّدة من المقوِّمات الأساسيَّة الرافضة للتُّراث، اسمًا آخر غير كونها أدبًا عربيًّا (3)، لأنَّه في مقابل هذا الرَّفض عمل المستشرقون خلال ما يقارب القرنين من الزَّمن على استغلال الأدب العربي والإسلامي للنُّهوض بحضارتهم الأوربيَّة.
وربَّما تصادف رأي محمد ناصر مع رأي حسن بريغش على سبيل المثال في موقفيهما من المستشرقين، حيث يقول حسن بريغش: أمَّا ما نراه من دراسات للأدب القديم، وتطبيق النَّظريَّات الغربيَّة أو الشَّرقيَّة عليه، فذلك أمر مفتعل، ليخدم أغراض المذاهب الفكريَّة والسِّياسيَّة المختلفة … وكثير من دارسي الأدب العربي، من المستشرقين وغيرهم من أبناء
(1) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 32.
(2) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 31.
(3) محمد ناصر: "خصائص الأدب الإسلامي"، ص 35.