الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤١العربيَّة الذين تتلمذوا على الغربيَّة وأربابها، يطبِّقون النَّظريَّات الغربيَّة الحديثة في الدِّراسات الأدبيَّة المختلفة (1).
أمَّا هاجس محمد ناصر فهو الاستغلال ذو الحدَّين، الذي مارسه المستشرقون على التُّراث العربي الإسلامي، ونلحظ ذلك في قوله: لقد استغلَّ أعداء الإسلام هذا التُّراث استغلالاً علميًّا، ملحوظًا، وكان دافعًا لنهضة استشراقيَّة في كلِّ أنحاء أوروبا، ومهما كان دافع البعض إلى الاهتمام بهذا التُّراث علميًّا، فإنَّ الأغلبيَّة السَّاحقة كان من ورائها أغراض صليبيَّة حاقدة … إنَّ الذين كانوا يشدُّون أزر هذه الحركة هم في الأغلب الأعمِّ العسكريُّون ورجال التَّنصير … لقد شعر المستشرقون بأهميَّة هذا التُّراث فالتفتوا إليه بجمعه وإحيائه وتقديمه إلينا محقَّقًا مدروسًا (2).
لقد راح الكثير من المستشرقين يبحثون في عصور الأدب المختلفة، وفي نصوصه الكثيرة على شواهد تؤيِّد نظريَّاتهم، وفلسفاتهم، وتنطبق على تصوُّرهم للحياة، ويضربون بذلك عرض الحائط أغلب الحقائق التي انبثق منها الأدب، وأهمُّ الحقائق التي تركها لنا تاريخ تلك العصور، بل ويغفلون متعمِّدين، أو عن غير قصد مئات النُّصوص الأخرى التي تقف أحيانًا حائلاً دون إثبات ما يريدون (3).
من أجل هذا نبَّه محمد ناصر إلى أهميَّة التُّراث وضرورته لأنَّه:
أوَّلاً: ذاكرة الأمَّة وقلبها النَّابض، والمقياس الذي تقاس به مكانتها في الحضارات الإنسانيَّة.
ثانيًا: إنَّه ماض وليد تجارب سابقة، ضاربة في عمق التَّاريخ، وهو الحاضر الذي تعيشه الأمَّة في استمراريَّة بينه وبين الماضي، وهو المستقبل، وليد تخطيط وإعداد يومي.
(1) محمد حسني بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر"، ص 45.
(2) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 31 - 32.
(3) محمد حسن بريغش: "في الأدب الإسلامي المعاصر"، ص 45.