الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢ثالثًا: العناية بالتُّراث الفكري: جمعًا ودراسةً وتحقيقًا وتعليقًا، يعني العناية بكيان الأمَّة ووجودها، وإهماله خطوة أولى نحو الانحلال والذَّوبان، وعلامة من علامات الشَّيخوخة والوهن (1).
إنَّ محمد ناصر من بين الذين يؤمنون بأنَّ أدبنا يمكنه التَّزوُّد من ينابيع أصالتنا ووجودنا بوصفنا أمَّة ذات تراث عريق، وذات أهداف رفيعة، وأنَّه ليس ما يلزمنا برأي دون آخر، ممَّا يطرح في العالم من آراء في الفنِّ والأدب إلى ما يرقى بأمَّتنا، ويوسِّع من عوالمنا، ويصوغ وجداننا الإنساني، بما يحقِّق شخصيَّتنا الحضاريَّة، ففي ابتعاثها حلّ لأزمة التَّعبير في أدبنا؛ بإحلال الأصالة والتَّميُّز مكان التَّغريب (2)، لهذا يرصد محمد ناصر حركة تطوُّر التُّراث وإحيائه في العالم العربي أثناء النَّهضة، لاسيَّما بعد الحرب العالميَّة الثَّانية في ما يلي:
1. الوعي بالذَّات خلال الصَّدمة الحضاريَّة الغربيَّة، ممَّا جعل المثقَّفين يختلفون في تبنِّي أسلوب واحد في مواجهة هذه الصَّدمة، ومن بينهم من يرى أن لا خلاص من التَّبعيَّة والاستغلال والاستعمار إلَّا بالاستقلال، وذلك بمواجهة الحضارة الغربيَّة بحضارة إسلاميَّة، تضمن الحصانة وتثبت للتَّحدِّي.
2. ارتباط حركات إحياء التُّراث بمؤسَّسات ذات طابع إسلامي، والحركات الإصلاحيَّة في العالم الإسلامي، التي عملت على الاهتمام بالتُّراث والعودة إليه، والعبِّ منه، والتَّعمُّق فيه، ودراسته وإخراجه للنَّاس إخراجًا يتماشى مع العصر، ومن أبرز روَّادها: جمال الدِّين الأفغاني، محمد عبده، رشيد رضا، والكواكبي، وسعد زغلول، وأحمد زكيِّ باشا، ومحيي الدِّين الخطيب، وعبد الحميد بن باديس، والشِّيخ اطفيَّش، وغيرهم من روَّاد التَّجديد والإصلاح في العالم الإسلامي.
3. وعي العرب أنَّ الالتقاء مع الحضارة الغربيَّة ينبغي أن يكون في استغلال الوسائل، لا في تحطيم البدائل، فظهرت المجامع اللُّغويَّة في كلِّ من مصر وسوريا والعراق، والأردن،
(1) محمَّد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 11 - 12.
(2) ينظر محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي، تجارب ومواقف"، ص 59.