الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٣واستخدمت الوسائل الحديثة لإحياء التُّراث، التي تمثَّلت في المطابع، والمؤسَّسات التَّعليميَّة، والنَّوادي الثَّقافيَّة، ودور النَّشر.
4. كما يذكر محمد ناصر بموضوعيَّته العلميَّة جهود المستشرقين، الذين كان لبعضهم فضل الرِّيادة في تقديم النَّموذج الأمثل للتَّحقيق العصري (1).
هل إحياء التُّراث من خلال هذه الحركات وما مارسته من تحقيق ونشر من جديد يكفي وحده للانبعاث؟، لقد قيل: لا حداثة إلّا في إطار الواقع المحلِّي والموضوعي للشَّاعر، وعلاقته السَّويَّة بتراثه وتاريخه وترابه، معنى ذلك أنَّ إحياء التُّراث أمر أساسي لضمان التَّطوُّر، لأنَّنا من جهة لا يمكن أن نستخدم القياس السَّليم لمعرفة ما إذا كنَّا بصدد التَّجديد والحداثة، أم أنَّنا ندور في حلقة مفرغة، إلّا بالاعتماد على وعينا بالتُّراث، ومن جهة ثانية يتوقَّف سيرنا عن ماضينا: اتِّجاهًا وحركةً (2).
إنَّ التُّراث هو المحطَّة الأولى لتكوين الأديب، إذا كان يريد أن يستند إلى قاعدة، بل إنَّ الإنسان لا يستطيع أن يمارس وجوده ونشاطه في الحياة، إن لم يكن مرتكزًا على أصول ثابتة في الفكر والحضارة، وأن تكون الأصول نابعة من الذَّات والوجود والمستقل، الذي لا تشوبه تبعيَّةٌ أو انقياد لحضارة ما (3).
كما دعا محمد ناصر إلى التَّفتُّح على الحضارات العالميَّة والحداثة مع المحافظة على الأصالة، حيث تصبح الأصالة والحداثة عنده مفهومين متكاملين، أحدهما يمثِّل ما ترسَّب في ثقافة الأمَّة، وثانيهما اقتضت ظروف التَّطوُّر الموضوعية أن يفرض نفسه في هذه الثَّقافة فرضا (4)، سواء على مستوى الشَّكل أم مستوى المضمون، ومعنى ذلك أنَّه لا يمكن لأحدهما أن يلغي الثَّاني، وإنَّما يكمِّله ويتمِّمه، فيقول: يكفي أن نعلم نحن أنَّ التَّفتُّح على المعرفة الإنسانيَّة هو الطَّريق الصَّحيح للوصول إلى تحقيق غايات بعيدة في الكشوف العلميَّة
(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص: 15، 17، 18، 19، 20.
(2) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 501.
(3) محمد عادل الهاشمي: "الإنسان في الأدب الإسلامي". أنظر: أحمد رحماني: النَّقد الإسلامي المعاصر، ص 501.
(4) أحمد رحماني: "النَّقد الإسلامي المعاصر"، ص 542.