الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤والاطِّلاع على المعارف الإنسانيَّة، أمَّا التَّقوقع على الذَّات، والجمود على الطُّرق والأساليب القديمة، فإنَّه يشلُّ الفكر، ويبلِّد الذِّهن، ويلغي الشَّخصيَّة (1).
إنَّ عمليَّة التَّأصيل والالتفات إلى التُّراث العربي الجزائري، بدأت مع أعمال محمد ناصر في دراسته المقالة الصُّحفيَّة الجزائريَّة (1903 - 1931 م) والصُّحف العربيَّة الجزائريَّة (1847 - 1939 م) (2)، فقد أثبت من خلال هذه الدِّراسات كينونة الأدب الجزائري، والنَّهضة العربيَّة الجزائريَّة، بقيادة عدد من الشَّخصيَّات الأدبيَّة والإصلاحيَّة.
لقد كانت عمليَّة استعادة الموروث التي قام بها محمد ناصر من أوسع عمليَّات تحديث الأدب الجزائري، وتأصيله في نفس الوقت، رغم التَّكريس لفترات طويلة لفكرةٍ، مفادها أنَّ الأدب العربي الجزائري أدب تلاقت في ساحته محافظة البداوة العريقة في قيمها وسذاجة الطّفولة الشَّعبيَّة وعاميتها، والنَّفسيَّة البربريَّة الممزَّقة وثقافة المتفرنس المتمغرب، ليتكوَّن من هذا الخليط العجيب أدب نضالي، يجول معظمه في رحاب الرَّفض والثَّورة (3).
لم ينظر محمد ناصر إلى التُّراث العربي الجزائري نظرة تعصُّبيَّة، لكنَّه انفتح على كلِّ ما يحوي هذا التُّراث، بشكل متَّسع وعميق، لأنَّ محاكاة الغرب ليست هاجسه، ففي مقابلتنا معه سألناه: هل يرى محمد ناصر العودة إلى التُّراث هي الحلُّ من أجل الوقوف في وجه الحداثة، وما تحمله من إلحاد وإنكار للخالق والفرد والذَّات، والتَّمرُّد على العقل؟.
فأجابنا: أنا لا أتعصُّب للقديم لأنَّه قديم، نأخذ من التُّراث ما هو اعتزاز بهذا القديم.
ومن هنا نتبيَّن أنَّه لم تكن علاقة محمد ناصر بالتُّراث علاقة تقليد ساذج، أو اتِّباع جامد، ولم يكن اقترابه منه على سبيل المحاكاة أو الارتداد إليه، فالاتِّباع والتَّقليد للتُّراث لا
(1) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر"، ص 26.
(2) محمَّد ناصر: "الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة"، (1847 - 1939 م)، الشَّركة الوطنيَّة للنَّشر والتَّوزيع، 1978 م، ط 2، وزارة الثَّقافة، الجزائر، 2007 م.
(3) محمَّد ناصر: "الأدب الجزائري في رحاب الرَّفض والتَّحرُّر بين الانحياز والتَّحامل"، مقالة (نقد للكاتبة نور سلمان السُّوريَّة)، في 13 - 10 - 1989 م، مخطوطة.