الأهميَّة الفكريَّة للتُّراث: أدب محمَّد ناصر بين التَّأصيل والتَّجريب
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥يختلف عمَّن يتَّبعون إبداعات الغرب، فالتَّقليد هو التَّقليد مهما تعدَّدت صوره وأشكاله (1)، إنَّه يريد تجديد التُّراث بطريقة عصريَّة ومتجدِّدة (2).
لا شكَّ أنَّ استخدام محمد ناصر للتُّراث العربي الجزائري قد كشف عن غنى هذا الموروث وأهميَّته، كما أنَّه فتح آفاقًا جديدة للأدب الجزائري، ومسالك لم تسلك من قبل.
يقول نجيب الكيلاني: إنَّ رصيد الأديب المسلم - قديمًا وحديثًا، محليًّا وعالميًّا- رصيد هائل، لكنَّه أشبه بالمادة الخام، يحتاج إلى الأيدي الماهرة التي تدرك قيمتها وتحسن تشكيلها، وتجيد توظيفها لخدمة الغاية النَّبيلة التي رسمتها لها القدرة الإلهيَّة (3).
من هذا المبدأ ينطلق محمد ناصر في دعوته إلى التَّجديد؛ بوعي التُّراث وفهمه، فيقول: إنَّ الدَّعوة إلى التَّجديد تبقى ضرورة حضاريَّة … وبوعي التُّراث وفهمه، والتَّأمُّل فيه، ونقده نقدًا موضوعيًّا، يتجاوز النَّظرة التَّقديسيَّة والملغية معًا، نستطيع أن نتقدَّم بالفكر والأدب إلى الأمام، لأنَّ التُّراث بكلِّ عفويَّته وبساطته هو الجذور والتُّربة الحقيقيَّة التي تشكِّل ملامحنا وقسماتنا الذَّاتيَّة، ولأنَّ التَّحديث والتَّجديد فعل حضاري ينطلق من التُّراث، ويصنع بالأظافر، ولا يستورد تحت علامة صنع في أمريكا أو صنع في فرنسا (4). كما أنَّ التَّشبُّث بالتُّراث إذا ما تجاوز حدّه المنطقي الهادئ تحوَّل إلى سلاح خطير نشهره ضدَّ أنفسنا، ويعمد إلى تأخيرنا عن الحضارة، خاصَّة إذا لم نُجِد استغلاله، ومن أجل ألاَّ يحتوينا هذا الموقف الخاطئ، إزاء التَّعامل مع التُّراث، علينا أن نتحوَّل إلى موقع أكثر عمليَّة وإيجابيَّة وانفتاحًا، موقع نتحمَّل فيه مسؤوليَّة الرُّؤية الشَّاملة لمواضع الخطأ والصَّواب، والنَّقد البعيد للحدود الفاصلة بين الأسود والأبيض (5).
(1) محمد عادل الهاشمي: "في الأدب الإسلامي تجارب ومواقف"، ص: 32.
(2) محمد ناصر: "تراثنا الإسلامي والعصر".
(3) نجيب الكيلاني: "آفاق الأدب الإسلامي"، ص 57.
(4) محمد ناصر: "حداثة أم ردَّة"، ص 65 - 66.
(5) عماد الدِّين خليل: "في التَّاريخ الإسلامي، فصل موقف إزاء التُّراث". أنظر: محمد إقبال عدوي: "جماليَّة الأدب الإسلامي"، ص 81.