المقالة الأدبيَّة
الجزء ١ · صفحة ٥٧- الأسس البنائيَّة المنهجيَّة للعمليَّة النَّقديَّة، يبرز فيها محمد ناصر مدى قدرته على ترتيب أفكاره ترتيبا منطقيًّا، وبراعته في توظيف الألفاظ وتركيبها وتسخيرها لخدمة الفكرة المقصودة.
- نلحظ ذلك في العنوان خاصَّة - ومهارته في إقناع المتلقِّي بمواطن القوَّة والضَّعف في العمل الأدبي، إنَّه يركِّز على الأسس الجماليَّة الإبداعيَّة داخل النَّصِّ، وقدرة الأديب على التَّعبير عن الفكرة، والارتقاء إلى الأسلوب الأدبي، مثل قوله في نقد قصيدة غرَّة نوفمبر لمحمد الأنور الحسيني: .... حملوا المكاحل والعصي وشرعوها للقتال، ولا أرى أيَّة ضرورة تنفع الشَّاعر هنا إلى استعمال كلمة "مكاحل" وفي إمكانه استعمال البنادق مثلاً، دون أن يختلَّ الوزن أو يفسد المعنى، ولا أرى لهذه الكلمة إيحاء خاصًّا، يجعل الشَّاعر يتمسَّك بها، على أنَّ الكلمة قد تدفع من لا يعرف الجزائريَّة إلى التَّساؤل عن وظيفة المكاحل في الحرب (1). إنَّه تصريح واضح لوجوب بلاغة اللُّغة الشِّعريَّة، وضرورة جمال التَّصوير الفنِّي، والعناية البالغة بالجرَس اللَّفظي والإيقاع الموسيقي العام في القصيدة.
لعلَّ الأديب في هذا الفنِّ يبدو لنا واضحًا بأصالته، وسهولة أسلوبه وقدرته على إبراز المفارقات، وتصوير الوقائع بطريقة ساخرة محبَّبة، مع نعومة ظاهرة في تناول الأشياء التي ينقدها مهما كان هذا النَّقد مرًّا، سواء يقصد من ذلك الدِّراسة الفنِّيَّة أو المواقف الأدبيَّة، حيث يقول في المقالة ذاتها في تعليقه على موقف أحد الصَّحافيِّين: أخشى أن يكون الأخ الصَّحفي قد انساق مع هذا التَّيَّار، حيث أوضح مستعينا - بالكاريكوتور- بأنَّ من يبدأ كلامه بالبسملة إنَّما يخفي مبدأ فكريًّا وسياسيًّا، يدعو إلى التَّساؤل؟!، وكأنَّ البسملة أصبح لها نطاق محدَّد، لا يتعدَّى العبادات، فهل في استطاعتنا أن نعمِّم هذا الحكم على كلِّ من يبدأ كلامه بالبسملة؟!، وهل أصبحت البسملة تدلُّ على هوية الشَّخص وانتمائه السِّياسي؟!.
هكذا يدافع محمد ناصر عن رأيه وموقفه وفق رؤية إسلاميَّة واضحة، وإن كانت قد اصطبغت بصبغة سياسيَّة، ضمن هذا الصِّراع بين التَّيَّارات الفكريَّة والأدبيَّة آنذاك، ولعلَّ
(1) محمَّد ناصر: "هل البسملة عنوان إدانة"، الشَّعب الأسبوعي.