الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

المقالة الأدبيَّة

الجزء ١ · صفحة ٥٨

مقالاته التي دعا فيها إلى توجُّهه الإسلامي، والدِّفاع عن الشَّخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة، في ظلِّ التَّحوُّلات الرَّاهنة على العالم العربي، تبدو واضحة حتَّى في دراسته: للصُّحف العربيَّة الجزائريَّة، فهو يشيد بدور هذه الصُّحف في إعلاء كلمة اللُّغة والدَّعوة إلى القوميَّة الإسلاميَّة فيقول: كانت أفكارها متفتِّحة رغم العزلة والاغتراب اللَّذين حجباها عن أن تتطلَّع إلى الآفاق العالميَّة، وقد تمثَّلت هذه الخصِّيصة عندها في سبقها إلى بعض الدَّعوات الحارَّة، كدعوة بعض كتَّابها إلى القوميَّة الإسلاميَّة واعتبارها ضرورة لازمةً للوطن الإسلامي … (1)، ومن أمثلة ذلك كتابات العقبي، الإبراهيمي والسَّعيد الزَّاهري، والميلي وغيرهم، والجديد في هذه الكتابات - كما يخبرنا محمد مصايف - ظهور شخصيَّة الكاتب، واتِّضاح موقفه العربي الإسلامي دفاعًا عن العروبة والإسلام (2)، وكان محمَّد ناصر، ولا يزال يرحِّب بكلِّ عمل أو أيَّة بادرة، يمكنها أن تسهم في تحقيق ما يدعو إليه، أو تعزِّز توجُّهه الإسلامي، وهذا ما وجده بالدَّليل في البدايات الأولى للصُّحف الجزائريَّة إبَّان الاستعمار الفرنسي، لأنَّه في هذا المؤلَّف لا يريد أن يعرِّفنا بأسماء الصُّحف والمجلَّات فحسب، بل يريد أن يجعلنا نعرف هذه الصُّحف في مبادئها وعقائدها كذلك، وهو شيء نجح فيه إلى حدٍّ ملحوظ بفضل شجاعته النَّادرة، واطِّلاعه الواسع على الحركة الصَّحفيَّة الجزائريَّة، وموضوعيَّته التي لا تتأثَّر بالصَّداقات ولا بالخصومات (3)، فهو متفاعل مع ما يكتبه، وهذا ما يحسُّ به القارئ، ولكنَّ تفاعله لا يبعده عن جادَّة الصَّواب، ولا يخرجه عن مساره المرسوم في المقالة، بعيدًا عن كلِّ هوى وكلِّ نفع وكلِّ حزب، عليه أن يحكم على المقدرة أكثر ممَّا يحكم على الآراء، إنَّ نقده متجرِّد يسبق الرَّأي.

في ختام حديثنا عن فنِّ المقالة عند محمَّد ناصر، نودُّ أن نتطرَّق إلى الخصائص والسِّمات التي تميَّزت بها مقالاته بشكل عام، ويمكننا أن نقول إنَّ أبرز الخصائص هي:

(1) محمَّد ناصر: "الصُّحف العربيَّة الجزائريَّة من 1947 إلى 1954 م"، مجلد عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، الجزائر، طبعة خاصَّة، 2013 م، ص 211.

(2) محمَّد مصايف: "النَّثر الجزائري الحديث"، المؤسَّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر، 1983 م، ص 114.

(3) المصدر نفسه، ص 148.