المقالة الأدبيَّة
الجزء ١ · صفحة ٦٠لعلَّ هذه الخاتمة القصيرة شاهد قويٌّ على أسلوبه في العرض المنطقي، والتَّحليل الموفَّق، وقدرته على الإقناع، وإنَّ هذا الوضوح وهذه الدِّقّة ترجع إلى وضوح المعاني والأفكار، وتسلسلها في ذهن صاحبها قبل أن يكتبها، وهذا لا يتأتَّى إلَّا بالاطِّلاع الواسع والتَّمرُّس على الكتابة والنَّقد في آنٍ واحدٍ (1)، إنَّه يحاول تحديد الأهداف التي يرمي إليها، والطُّرق والأساليب التي يستخدمها ويقوم بدراسة القضايا الأدبيَّة بغية توضيحها وشرحها وتقديرها حقَّ قدرها.
ب- الجمعُ بين الرُّؤية الإسلاميَّة والقيمة الفنِّيَّة:
هي ظاهرة تميَّزت بها مقالات محمد ناصر، وأصبح بفضلها رائدًا من روَّاد كتابة المقالة الأدبيَّة والنَّقديَّة الإسلاميَّة في الأدب الجزائري الحديث، إنَّه لا يكتفي باتِّباعه المنهجيَّة الواضحة ليتناول بها مقالاته ولا بالعرض المنطقي الممتع والمقنع، بل يدعو إلى الكتابة بأسلوب مشوِّق، لا يثير الملل في نفس القارئ، في كتابه تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة هو يقول: ويتجلَّى لنا التَّطوُّر بصفة ملموسة في أسلوب عبد الحفيظ بن الهاشمي نفسه عندما تتحرَّر كتابته من قيود المحسِّنات البديعيَّة فتبدو خفيفة رشيقة، ليس عليها أثر من تكلُّف، ولا سمة من ضعف (2).
وقد برزت هذه الميزة بشكل واضح في جلِّ مقالاته الأدبيَّة والنَّقديَّة، فأسلوبه يجمع بين التَّعبير عن رؤية إسلاميَّة حول قضايا أدبيَّة ونقديَّة، وبين الجمال الأدبي في الصِّياغة، فتأتي المقالة مقنعة وممتعة في آن واحد … ومن أمثلة ذلك قوله في إحدى مقالاته بعنوان هذا الشَّاعر الثَّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير: وهي تعليق على مقالات صدرت عن مفدي زكريَّا (3)، فيقول: .... إنَّ الأديب الحقَّ ليس هو من تقام له المهرجانات
(1) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 187 بتصرُّف.
(2) محمَّد ناصر: "تاريخ الصَّحافة العربيَّة الجزائريَّة"، عالم المعرفة للنَّشر والتَّوزيع، طبعة خاصَّة، ص 263.
(3) محمد ناصر: "هذا الشَّاعر الثّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير"، الجمهوريَّة (الملحق الأسبوعي)، 10 ديسمبر 1989 م.