الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

المقالة الأدبيَّة

الجزء ١ · صفحة ٦٢

ج- الجرأة والتعقُّل:

ظاهرة الجرأة سمة بارزة في مقالات محمد ناصر، يستعملها وسيلة لتوضيح الحقائق، وإفحام الخصوم، دون الحط من أقدارهم، خاصَّة المقالات السِّياسيَّة والنَّقديَّة، لم يكن يجامل أصدقاءه أو خصومه فيما يكتب، ممَّا يجعل كتابته تتَّسم بالجرأة والعقلانيَّة، ولكنَّه كان يسعى دائمًا لكشف الحقيقة، وإظهار مواطن الضُّعف، كما صرَّح بذلك في إحدى مقالاته لا للنَّقد المائع ردًّا على الصَّحفي الأديب عياش يحياوي، فيقول: … قلت رأيي في شعر جوادي في السَّبعينيَّات في أطروحة أكاديميَّة، بذلت فيها جهدي لأكون صادقًا مع نفسي ومع غيري، دون مجاملة أو نفاق (1).

فالجرأة في الطَّرح والتَّعقُّل في مواقفه وإثباتها من خلال براهين وأدلَّة منطقيَّة تقنع القارئ بصدق الفكرة وصفاء السَّريرة، حيث يصفه أحد النُّقَّاد بالشَّاعر المتعقِّل في قوله: التَّعقُّل في شعر محمد ناصر أوضح … إنَّه يصور الواقع متحرِّكًا في جنح الظَّلام (2)، إنَّ هذا التَّعقُّل يظهر في نقطتين؛ الأولى المنهجيَّة المتَّبعة أثناء الدِّراسة، أمَّا الثَّانية فأسلوبه المقنع الذي يعتمد فيه على الحجج والبراهين المقنعة في الطَّرح، ويتوجَّب طلبه أن يتجاوز المباشرة، إن على مستوى اعتماد اللغة أداةً، أو على مستوى تنفيذ الرُّؤية منظورًا، فباللَّمسة المعبِّرة وبالإيماء؛ باعتماد الرُّموز والمجازات بتفجير قدرات اللُّغة التَّعبيريَّة، وانتزاع أسرارها الجماليَّة، بتحويل الكلمة إلى ريشة تفرش الألوان وتشكِّل الكتل والمساحات بالحذر في ملامسة القيم والخبرات والمعطيات الإسلاميَّة … تجيء القيمة أو الخبرة في إطار فنِّي مقنع بالقدرة على التَّأثير بهذا وبذلك، يمكن أن يتحقَّق الإحسان ويكون الإتقان (3).

وفي المقالة نفسها يبرِّر حكمه النَّقدي فيقول: وأنا أسائل الأخ يحياوي، متى كانت الأخلاق الفاضلة غير هذه القيم الكبرى (الحبُّ، السَّلام، الجمال، العدل، الحقُّ)؟ كيف يمكن أن تدعو إلى الجمال والحقِّ والعدل بأسلوب تشمئزُّ منه النَّفس وينبو عنه الذَّوق …

(1) محمَّد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، جريدة المساء، أكتوبر 1984 م.

(2) أحمد رحماني: "الرُّؤيا والتَّشكيل في الأدب المعاصر"، ص 197.

(3) عماد الدِّين خليل: "مدخل إلى نظريَّة الأدب الإسلامي"، ص 71.