المقالة الأدبيَّة
الجزء ١ · صفحة ٦٤د- الخطاب الوعظي:
لقد كان منهج محمد ناصر في أدبه أن يبدأ بتصحيح التَّصوُّر العقدي، وتربية النَّاشئة على التَّمسُّك بأصول الإسلام من كتاب وسنَّة، وتزويدها بمقوِّمات الوعي والعلم والإدراك، فأنفق في سبيل ذلك جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً، وكانت المقالة أهمَّ الوسائل التي وظَّفها لترسيخ مبادئه في الأدب الجزائري الحديث، ونلمس ذلك بخاصَّة في لهجته الخطابيَّة، فمن يقرأ هذه المقالات يتخيَّل صاحبها على منبر وهو يبثُّ مواعظه ونصائحه إلى الحاضرين والمستمعين لخطبته، ممَّا جعل هذه المقالات تتَّسم بالتَّعبير المباشر، رغم أنَّ صاحبها مارس تنوُّعا في الأساليب الإنشائيَّة ما بين النِّداء والتَّعجُّب، والاستفهام، ليشدَّ إليه القرَّاء، ويثير انتباههم ويؤثِّر في نفوسهم، ومن أمثلة ذلك قوله: قد يقال كما يقول بعض المتسرِّعين إلى إصدار الأحكام أنَّ مفدي زكريَّا لم يسر في الخطِّ الثَّوري الذي رسمته الأنظمة بعد الاستقلال، فلنفرض أنَّ هذه الإدانة صائبة، أليس مفدي زكريَّا شاعرًا إنسانًا، يحمل بين جنبيه ضعف الإنسان وحساسية الشَّاعر؟ أليس الخطأ والصَّواب - منذ وجدا - صفتين لازمتين لصفة البشريَّة؟ فهل من حقِّنا معاقبة أيٍّ كان بما نحن مدانون به على جميع المستويات صباح مساء؟ (1).
كما لجأ في العديد من المواقف، بخاصَّة النَّقديَّة، إلى التَّحليل والتَّمحيص، محلِّلاً أفكاره وآراءه التي يؤمن بها، وعاملاً على صدِّ كلِّ تغريب ودخيل على الأدب والمجتمع الإسلامي، فيقول: اسمح لي أخي بالقول: إنَّ النَّاقد الذي لا يحمل رسالة روحيَّة لا يبتغي هذا أدبًا، يكون كلامه هذرًا، ومواقفه نفاقًا … إنَّ الذين يدعون إلى مذهب الفنِّ للفنِّ لم يأتوا بجديد، وقد سبقهم النُّقَّاد والأدباء الغربيُّون إلى هذا الاتِّجاه منذ زمن بعيد، فأعلنوا إفلاسهم … (2).
(1) محمَّد ناصر: "هذا الشَّاعر الثَّوري الذي لا نعرف عنه الشَّيء الكثير"، تعليق على مقالات صدرت عن مفدي زكريَّا بجريدة الجمهوريَّة (الملحق الأسبوعي)، 10 ديسمبر 1984 م.
(2) محمَّد ناصر: "لا للنَّقد المائع"، جريدة المساء، أكتوبر 1984 م.