القصَّة
الجزء ١ · صفحة ٧٠لقد حافظ محمد ناصر على الأساسيات المتَّفق عليها في القصَّة الحيوانية، وصبغها بصبغة دينيَّة، فوجد الأطفال في قصصه عالما غيبيًا جديدًا وممتعًا، فالقصَّة على لسان الحيوان يريد بها الكاتب العظة والتَّعليم، إضافة إلى أنَّها من أنجح القصص في نقل الكثير من المعاني والقيم الأخلاقيَّة والدِّينيَّة، حيث يقوم الكاتب بعمليَّة إسقاط على هذا الحيوان فيغدو البطل والشَّخصيَّة الرَّئيسية، أين يصفي خيال التَّوهُّم عند الطِّفل صفات آدمية، وبالتَّالي تحدث القصَّة أثرها الذي يريده الكاتب بيسر وسهولة (1).
قام محمد ناصر بالكتابة للطِّفل الجزائري والعربي بصفة عامَّة في مراحله العمريَّة المختلفة، مراعيًا بذلك احتياجاته النَّفسيَّة والوجدانيَّة، محاولاً إثراء قاموسه الفكري واللُّغوي، واستقى مادته القصصيَّة من القصص القرآني الكريم، لما يحمله هذا القصص من قيم الحقِّ والخير، والإيمان عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ (2)، كما كانت السُّنة النَّبويَّة وسيرة الصَّحابة والتَّابعين من أهمِّ الرَّوافد الدِّينيَّة في القصَّة الطُّفوليَّة للأديب، وكان عالم الحيوان الذي صبَّه في قالب رمزي يسهل عليه الوصول للفكر الطُّفولي، ويتقبَّله في عالمه الصَّغير، وهذا ليس من السُّهولة بمكان، لأنَّ عالم الطِّفل على الرُّغم من بساطته، فإنَّ تعقيده يكمن في هذه البساطة والعفوية كما يقال السَّهل الممتنع، لقد عمل محمد ناصر على الولوج إلى هذا العالم من خلال شِفْرات خاصَّة ودراسة مسبقة، ترتكز على مقوِّمات دينيَّة وأسس اجتماعيَّة، استمدَّها من ثقافته العربيَّة الإسلاميَّة، ومن انتمائه للمجتمع الجزائري.
إن كان من الأفضل التَّعرُّف على هذه السِّلسلات القصصيَّة كلِّها، فإنَّه من الصَّعب أيضا أن تتَّسع الصَّفحات لها، إلَّا إذا كنَّا نريد إعطاء صورة ملخَّصة وأحكام مبتورة عن هذا الأديب، مع أنَّنا لم نقصد في هذه الموضوعات هذا المقصد، بل كانت الغاية التَّعريف به أديبًا إسلاميًّا قبل أيِّ هدف آخر، وإذا سمحت لنفسي في هذا العمل بأن ألقي شيئًا من الضَّوء
(1) عبد الرَّزاق بن السبع: قصص الأطفال في المغرب العربي، ص 111.
(2) سورة يوسف، الآيات (2، 3).