القصَّة
الجزء ١ · صفحة ٧٢المعرفة، فقال له مستعظمًا جرمه: ويلك يا هذا كيف تطمع في مغفرة الله وجرمك على ما وصفت؟ لا، لا توبة لك! أغرب عن وجهي (1).
هكذا غضب الرَّجل وقتل الرَّاهب وأكمل به العدد مائة قتيل. القصَّة هنا تعبِّر فعلاً عن الواقع الذي نعيشه، وانسداد أبواب التَّوبة في وجوه الضَّالين من طرف بعض الجهلة بقيم ديننا الحنيف.
ثمَّ إنَّ الله قد علم منه هدف العزم، فوفَّقه إلى أنَّه يتوب إلى رشده مرَّة ثانية، وراح يبحث في أرض الله عمَّن يهديه إلى طريق التَّوبة والإنابة … فدلَّه ناس هذه المرَّة على رجل عالم، فذهب إليه وصرَّح له بما في نفسه … فقال له إنَّ طريق التَّوبة مفتوح لكلِّ مذنب، والله لا يملُّ من توبة عباده ما أخلصوا له التَّوبة، ولن يحول بينك وبين الله حائل، فإنَّه قريب يجيب دعوة الدَّاعي إذا دعاه، انفتح قلب الرَّجل، وتهلَّلت أسارير وجهه … (2).
ولكي يقرِّب لنا الكاتب صور المسلم، وجعلها واقعيَّة، لها كل ملامح الحياة الحقيقيَّة الملموسة، بغية إزالة الغرابة والخيال عنها لجأ إلى توظيف الآيات القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة، فأعطى بذلك أروع مثال عن المسلم الحقِّ، وهي شخصيَّة الشَّيخ العالم، وعن المسلم التَّائب عن الذَّنب والباحث عن مرضاة الله في شخصيَّة الرَّجل السَّفَّاح. بهذا الأسلوب الواضح، السَّهل، البسيط الذي يقترب في الكثير من عباراته من الوضوح والشَّفافية، بل أكثر قصصه على هذا النَّحو.
إنَّ هذه القصَّة على بساطتها ترمز إلى كثير من الأمور التي يحتاجها المسلمون في حياتهم، وتصوِّر الرُّوح الإسلاميَّة التي لا تفقد الأمل والثِّقة في الله - عز وجل -.
لقد جمع في هذه القصَّة أنواعًا من الشَّخصيَّات، شخصيَّة التَّقيِّ الذي يتَّقي الله حقَّ تقاته، وشخصيَّة العابد لله مع جهل لدينه الحق، وقيمه وتعاليمه، وشخصيَّة التَّائه في معترك الحياة، المسرف على نفسه، الباحث عن طريق الخلاص والنَّجاة.
(1) المصدر نفسه، ص 08.
(2) محمد ناصر: "لا يأس من رحمة الله"، القصص المربِّي للفتيان، ص 10.