السِّيرة
الجزء ١ · صفحة ٨٢وفي الأخير يخبرنا بما استفاده من هذه المرحلة العلميَّة النُّورانيَّة المباركة التي كانت رفقة هؤلاء العلماء والمشايخ، كما يحدِّد لنا ما تعلَّم من كلِّ واحد منهم.
يضفي محمد ناصر على كلِّ ما يذكره في موسوعته صبغة إسلاميَّة - سواء من خلال أحكامه الشَّخصية أو الاستشهاد بآراء من يعرف هؤلاء العلماء - من شخصيَّات علميَّة أدبيَّة، وسياسيَّة كانت، أو حتَّى من تتلمذ على أيديهم، لذلك تجده يروي ما رواه أو سمعه أو قرأه مستعينًا بنصوص موثِّقة.
لقد ألمَّ الكاتب بكلِّ الجوانب في حياة هؤلاء العلماء، سواء النَّشأة أو الحياة العلميَّة أو النِّضال ضدَّ المستعمر، ووضعها بطريقة منسَّقة ومنظَّمة نستطيع من خلالها أن نتعرَّف إلى أهمَّ الخصائص المميِّزة لهذه الشَّخصيَّات، والدُّور الذي قامت به في حياة الأمَّة الإسلاميَّة الجزائريَّة.
ومن هنا يمكن القول: إنَّ محمد ناصر قد أجاد في كتابة السِّيرة بالمعنى الفنِّي والأدبي إلى حدٍّ كبير، خاصَّة وأنَّ دراسته توجَّها بما يتلاءم مع مبدأ الالتزام والمحافظة على الأصالة، وذلك باختياره الرَّأي الأصيل، المبنيِّ على الوضوح والاقناع، وانتقاء المناهج المنسجمة مع الهدف من الدِّراسة، والغاية من البحث، حتَّى لا تتفرَّق به السُّبل (1).
الواقع أنَّ شخصيَّته في هذا الكتاب كانت بارزة، خاصَّة في الجزء الأخير منه، فنلحظه - أحيانًا- يستسلم لانطباعاته الشَّخصيَّة حول أساتذته، مع الحفاظ على المعالجة الموضوعيَّة.
وقد عنى عناية خاصَّة بالحديث عن دور هؤلاء المشايخ في مسيرته العلميَّة والأكاديميَّة من الصِّدق بدأ أوَّل خيط يشيع هذه الصِّلة التي سنسمِّيها فيما بعد صلة ما بين الأستاذ والمشرف، والدَّارس الطَّالب، ومن الصِّدق بدأ رضائي عنه ورعايته لخطواته الأولى (2).
(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب ابن مسلم الرَّواحي"، ص 09.
(2) محمد ناصر: "مشايخي كما عرفتهم"، ص 212.