الرؤية الإسلامية في كتابات الدكتور محمد صالح ناصر الأدبية والنقدية غنية دومان [دارسة عن الإباضية]

السِّيرة

الجزء ١ · صفحة ٨٦

ومهما يكن من أمر، فقد أضاف الكاتب من خلال هذين الكتابين تجربة جديدة وناجحة، سلَّطت الضوء على شخصيَّات مهمَّة في تاريخ الجزائر الأدبي والثَّقافي، وتميَّزت تجربته هذه بالتَّنظيم والأصالة والعمق، وكانت رافدًا جديدًا للأدب الإسلامي، إنَّها دراسة حاول من خلالها تقديم نموذج تطبيقي للأدب الإسلامي، وكيف يجب أن يدرس أو يتناوله الأديب الملتزم (1).

الكاتب محمد ناصر نعرفه باحثا محقِّقًا وقاصًّا، وشاعرًا فنَّانًا أصيلاً، لديه من الموهبة ما يجعل القارئ مشدودًا إلى أسلوبه في الشِّعر والقصَّة وحتَّى في السِّيرة، يحمل القارئ على التَّمعُّن في صوره وأفكاره، ويتذوَّق طبعه الشَّاعري وموهبته الفطريَّة، التي تبدو آثارها في كلِّ لون من نتاجها النَّثري والشِّعري، إضافة إلى تميُّزها بالسَّلاسة والعفويَّة مع العمق.

ومن الملاحظ أنَّ الكاتب يستغرق في الصُّورة أحيانًا ليحيط بأطرافها، في القصَّة بخاصَّة، ويغوص مع القارئ، في صغائرها ومنحنياتها، حتَّى يبلغ أقصى حدودها، ويستكشف مغاويرها قبل أن يعود إلى فكرته التي ساق الصُّورة من أجلها، كما يعرض وجوها عديدة للصُّورة المبتكرة وتشبيهات طريفة تؤدِّي دورها في فتح خيال الطِّفل على عوالم أخرى كان يجهلها، ولاسِّيما إذا كان ذلك مرتبطا بصورة السُّلوك أو مناحي التَّفكير عند بطل من أبطال قصصه، أو شخصيَّة من الشَّخصيَّات التي يتناولها في السِّيرة.

ومع ذلك، لا يملُّ القارئ، وهو يسير وراء الكاتب في عرض صوره وشرح فكرته، أو مع هذه اللَّفتات الجانبيَّة المبثوثة في القصَّة أو السِّيرة مثل الرَّسائل الخطِّيَّة بينه وبين مشايخه، وملاحظاته الجانبيَّة في القصص القرآني في سلسلة القصص الحقِّ ولا يشعر بأنَّ الكاتب قد نسي صورة الأحداث، وغرق في الصُّور والأفكار.

كما أنَّ الكاتب أعطى للتَّحليل النَّفسي قدرًا لا بأس به من الاهتمام في هذين اللَّونين النَّثريين، فكان بعد كلِّ حدث أو ظاهرة ما يغوص في أعماق الشَّخصيَّة، فيحلِّل تصرُّفاتها، ويكشف ما يدور في داخلها، فتبدو الحقائق متناقضة مع الأفعال، وما يجول في ضمائر هذه

(1) محمَّد ناصر بوحجام: "الرُّؤية الإسلاميَّة في كتاب أبو مسلم الرَّواحي"، ص 10.