الفاضل محمد بن يزيد المبرد

الحلم والأناة

الجزء ١ · صفحة ٢٧

ويروى أن أبا الجهم الأموي قال: لقد بتُّ ليلة بأسرها قلقاً أفكر في حلم معاوية فيذهب عني وَسَني، قال: وغدوت عليه وأنا مُجمِع لقاءه بما أرجو أن يطيِّشه، فدخلت عليه، وقد كان عنده رجل أغضبه بأشياءَ لقيه بها، فقلت في نفسي: ظفرت به؛ فسلّمتُ عليه، فردّ عليّ جواباً ضعيفاً، فقلت: يا بن هند، أبلغَ بك الأمر إلى أن أسلِّم عليك فترد عليّ مثل هذا الرد! والله لقد رأيت أمك وهي شابة ناهد، وأنا إذ ذاك أطلب الفجور، فعرضتْ عليّ نفسها فأبيتُها، فقال: يا أبا الجهم، أما أنك لو نكحتَها لنكحت حَصاناً كريمة، ولكنت أهلاً لها. قال أبو الجهم: فوقعتُ على رجليه أقبلهما، وأقول:

نقلّبه لنَخْبُرَ حالتيه … فيكشِف عنهما كرماً ولينا

نميل على جوانبه كأنّا … نميل إذا نميل على أبينا

فقام معاوية فدخل إلى حجرة له فدعا بأبي الجهم فقال له: يا أبا الجهم، إياك وإغضاب الملوك، فإن لهم غضباً كغضب الصبيان، وبطشاً كبطش الأُسد. يا غلام، أعطه ثلاثين ألف درهم، وليحملها معه ثلاثة من العبيد، فخرج من بين يديه ومعه تلك الصلة.

ويروى أنه كان يقول: إذا لم يكن الملك حليماً استفزّه الشيء اليسير الذي يندم عليه، وإذا لم يكن شجاعاً لم يخفْه عدوّه، وإذا كان شحيحاً لم يكن له خاصة ولا مُناصح، وإذا لم يكن صدوقاً لم يُطمع في رأيه.

وحدثني العتبي قال: قيل لمعاوية: ما النُّبل؟ قال: مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء، فقيل له: وما المروءة؟ قال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة.

ويروى أنه لما ورد عليه خبر علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي أدالنا من عدونا، ورد إلينا من زماننا، فقام إليه رجل من أهل الشام، فقال: ما ذاك من كرامتك على الله يا معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اسكت يا جاهل، فوالله لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام، فتمثل معاوية:

إني أرى الحلم محموداً مغبّته … والجهل أفنى من الأقوام أقواما

ونظر يوماً إلى يزيد ابنه يضرب غلاماً له، فقال: يا يزيد، أتضرب من لا يمتنع منك! والله لقد حالت القدرة بيني وبين أولي التِّرات.

ويروى من ناحية زبير قال: حدثني مبارك الطبري قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله، الخليفة لا يُصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه، وأنشد:

وأحلام عاد لا يخاف جليسهم … إذا نطقَ العوراءَ غرب لسان

إذا حُدِّثوا لم يُخشَ سوءُ استماعهم … وإن حدّثوا أدّوْا بحُسنِ بيانِ

وقال عمر بن عبد العزيز: ثلاث من كنّ فيه فقد كمَل: من إذا غضب لم يُخرجه غضبه من الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا قدر عفا وكفّ.

ويروى أن وفوداً دخلت عليه، فتحفّز فتىً منهم للكلام، فقال عمر: كبّروا، أي ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إن قريشاً ليُرى فيها من هو أسنّ منك. فأطرق عمر ثم قال: تكلم يا فتى.

وقال الشعبي: ما رأيت رجلاً أفهم إذا حدّث، ولا أنصتَ إذا حُدِّث، ولا أحلم إذا خولف من عبد الملك.

وقال المدائني: شتم رجل المهلّب بن أبي صفرة فلم يردد عليه، فقيل له: لم حَلُمت عنه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت أن أبْهَتَه بما ليس فيه. وشُتم رجل فقال الرجل لشاتمه: يا هذا، ما ستر الله عليك من عورتي أكثر، وأنشد:

لن يدرك المجدَ أقوامٌ وإن كَرُموا … حتى يُذَلّوا وإن عزوا لأقوام

أو يُشْتَموا فترى الألوانَ مشرقةً … لا صفحَ ذلّ ولكن صفحَ أحلام

وكان يقال: العقوبة ألأم حالات ذوي القدرة. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم على العفو أحبّ إلي من أن أندم على العقوبة. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أول ما عُوِّض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره. وأنشد الشعبي:

ليست الأحلام في حال الرضا … إنما الأحلام في حال الغضبْ

وقال الأخطل في بني أمية:

صُمٌّ عن الجهل عن قول الخنا خُرُسٌ … وإن ألمّتْ بهم مكروهةٌ صبروا

شُمْس العداوة حتى يُستقادَ لهمْ … وأعظمُ الناس أحلاماً إذا قدَروا

وقال حاتم الطائي:

٢٧ / ٣٨