الفاضل محمد بن يزيد المبرد

الحلم والأناة

الجزء ١ · صفحة ٢٨

تحلَّمْ عن الأدْنَيْنَ واستبِق وُدَّهم … فلن تستطيعَ الحلمَ حتى تَحَلَّما

إذا شئتَ نازيتَ امرأَ السَّوءِ ما نزا … إليكَ ولاطَمتَ اللئيم المُلَطَّما

وقال محمد بن زياد الحارثي:

تخالُهُمُ للحلم صُمّاً عن الخنا … وخُرساً عن الفحشاء عند التهاجر

ومرضى إذا لاقَوا حياءً وعفةً … وعند الحفاظِ كالليوث الخَوادر

لهم ذُلّ إنصاف وأُنس تواضع … بهمْ ولهمْ ذلّتْ رقاب المعاشر

كأن بهم وَصْماً يخافون عاره … وما وصمهم إلاّ اتقاء المعابر

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم ومشارّة الناس؛ فإن المعاير تدفن الغُرّة وتُظهر العُرّة " . وأنشد:

وإني ليَثنيني عن الجهل والخنا … وعن شتم ذي القربى خلائقُ أربعُ

حياءٌ وإيمانٌ ودينٌ وأنّني … حليمٌ ومثلي لا يَضُرّ وينفعُ

وقال رجل من بني حنيفة يرثي أخاه:

لقد وارى المقابرُ من شريك … كثيرَ تكرُّم وقليلَ عابِ

به كما نصولُ على الأعادي … وننقُضُ مِرّةَ القوم الغِضابِ

صَموت في المجالس غير عِيّ … جدير حين ينطق بالصواب

كثير الحِلم لا طَبِعٌ عَيِيّ … ولا فَحّاشة نَزِق السِّباب

قوله: صموت في المجالس غير عيّ، نظير قول ابن كُناسة في إبراهيم بن أدهم الغنوي:

رأيتُك لا يُغنيك ما دونه الغنى … وقد كان يَغنى دون ذاك ابن أدهما

يُشيع الغِنى إن نالَه وكأنما … يلاقي به البأساء عيسى بنُ مريما

أخافَ الهوى حتى تجنّبه الهوى … كما اجتنب الجاني الدم الطالب الدما

وأكثر ما تلقاهُ في القوم صامتا … وإن قال بَدَّ القائلين فأفحَما

وقال آخر:

إني ليمنعُني من ظلم ذي رَحِمٍ … لبٌّ أصيلٌ وحلمٌ غير ذي وَصمِ

إنْ لانَ لنتُ وإن دبّت عقاربُه … ملأتُ كفّيه من عفوٍ ومن كرمِ

ويروى أن الأحنف كان حليماً وقوراً عالماً فقيهاً، وكانت الملوك ترجع إلى رأيه وتعمل بقوله. وذكروا أن خَتَناً له أراد أن يستفز حلمه فقال: ملأتْنا ابنتُك البارحة من دمائها؛ فقال: نعم إنها من نسوة يَخْبَأْنَ ذلك لأزواجهن؛ فقال: إني حملتُ على نفسي البارحةَ في جماعها؛ فقال: ما زوجناك إلا لذلك. وكان يقول: ما نازعني أحدٌ إلاّ أخذتُ عليه بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفتُ له قدره، وإن كان دوني رفعتُ نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضّلت عليه. ويروى أن معاوية قال له: يا أحنف، أأنت صاحبُنا يوم صِفِّين، والمخذول عن أمير المؤمنين؟ فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها يومئذٍ لفي صدورنا، وإن سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن دنوت إلينا شبراً من خير لندنونّ إليك ذراعاً من عُذر، ولئن شئت ليصفونّ لك ودّنا بفضل حلمك عنا. قال: قد شئتُ. وروى زبير عن رجاله قال: دخلت على معاوية مَوْجِدةٌ على يزيد، فأَرِقَ لذلك ليلته، فلما أصبح بعث إلى الأحنف فقال له: كيف رضاك عن ولدك؟ - أو ما تقول في الولد؟ - قال الأحنف: فقلتُ في نفسي: ما سألني أمير المؤمنين عن هذا إلا لمَوجِدةٍ دخلتْه على يزيد، فحضرني كلام لو كنت روّأتُ فيه سنةً كنتُ قد أجدتُ، فقلت: يا أمير المؤمنين: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول ونصل إلى كل حيلة، فإن سألوك فأعطِهم، وإن غضبوا فأرضِهم، يُمحِضوك ودَّهم، ويُلطِفوك جهدَهم، ولا تكن عليهم قُفلاً لا تعطيهم إلا نزراً فيمَلّوا حياتك ويكرهوا قربَك. فقال: لله در الأحنف! لقد دخلتَ عليّ وإني لمن أشد الناس مَوجِدة على يزيد، فلقد سَللتَ سَخيمة قلبي؛ يا غلام، اذهب إلى يزيد فقل له: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فأرسِل من يقبض مالك، فأتاه الرسول فأعلمه، فقال: من كان عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف؛ فقال: لا جرَم! لأقاسمنه الجائزة، فوجّه برسول يأتيه بالمال ورسولٍ يأتيه بالأحنف. فقال: يا أبا بحر: كيف كان رضا أمير المؤمنين؟ فأخبره: فقاسمه الجائزة، وأمر له بمائة ألف ومائة ثوب.

٢٨ / ٣٨