باب منه
الجزء ١ · صفحة ٥وقال صلى الله عليه: " أوصاني ربي بتسع خصال: الإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والفضل في الفقر والغنى، وأن أعفو عمّن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون نطقي ذكْراً، وصمتي فكراً، ونظري عِبَراً " .
وقال أنس بن مالك: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه المدينة جاءت بي أمي إليه فقالت: يا رسول الله، هذا ابني جئتُك به ليخدمك، فخدمتُه عشرَ سنين ما سمعته قال أفّ قطّ، ولا قال في شيء فعلتُه: لم فعلتَه؟ ولا قال في شيء لم أفعلْه: لمَ لمْ تفعلْه؟ فلما كانت السنة التي توفي رسول الله صلى الله عليه جاءته أمي، فقالت: خادمك أنس تدعو الله له، فقال: " اللهم أطل عمرَه، وكثِّر ولدَه ومالَه، واغفر له " . فقال أنس: قد دفنت من ولدي مائةً إلا اثنين، أو مائة واثنين، وغَلَّتي تأتيني في السنة مرتين. وبلغ سنة مائة سنة وسنين بعد ذلك لم يَعُدَّه، وخلّف من الولد عدداً كالقبيلة الوافرة. قال أنس: وإني لأرجو الله في الدعوة الرابعة. ولم يسأل صلى الله عليه الله عز وجل شيئاً فمنعه. ويروى أنه نظر إلى عصابة قادمة من الأعراب ولم يكن عنده في ذلك الوقت شيء يقسمه بينهم، فتناوله بعضهم بما كرهه، فجاءوه فقالوا: يا رسول الله اقتصص منا، فقال عليه السلام: " لا أفعل " .
وقال صلى الله عليه لوافد وفد عليه، فسأله عن شيء فكذَبَه: " أسألك فتَكْذِبُني! لولا سخاءٌ فيك وَمَقَكَ اللهُ عليه لشردتُ بك من وافد القوم " .
وقدم عليه علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بأسراء، فأمر بقتلهم إلا واحداً منهم، فقال علي: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، فما بال هذا من بينهم؟ فقال: " إن جبريل أمرني عن الله تبارك وتعالى بترك هذا لسخاء فيه شكره الله له " .
ولما دخل المدينة قال لبني سَلِمة: " من سيّدُكم؟ " قالوا: جدّ بن قيس، على بخل فيه. فقال عليه السلام: " وأي داءٍ أدوى من البخل؟ لا يسود البخيل، بل سيدكم الأبيضُ الجعدُ عَمرو بن الجموح " ويقال: " بشر بن البراء " . وجاء في الحديث أن رجلاً سأله عليه السلام أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: " حسن الخلق " .
وسئلت عائشة رحمة الله عليها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه فقالت: أو ما تقرءون القرآن: " وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم " .
وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه مع أصحابه فصنعتُ له طعاماً، وصنعتْ له حفصة طعاماً، وسبقتْني، فقلت لجاريتي: اذهبي فأكْفِئي قصعتها، فلحقتْها وقد أهوت أن تضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه فكفأتْها؛ فانكسرتْ القصعة، وانتشر الطعام، فجمعها رسول الله صلى الله عليه وما فيها من الطعام على نِطَع فأكلوا، ثم بعثتُ قصعتي إلى حفصة فقلت: خذوا هذه ظرفاً مكان ظرفكم فكلوا ما فيها. قالت: فما رأيت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه.
وجاءه رجل فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: " عليك بتقوى الله واليأس عما في أيديهم، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإذا صليت فصلّ صلاة مودّع وإياك وما يُعتذر فيه " . فقال: زدني، قال: " حسن الخلق وصلة الرحم يزيدان في العمر " . وروى عنه أنه قال: " من أقال نادماً يبيع أقال الله عَثْرَته، ومن سعى في حاجة أخيه كان الله معه " . وقال عليه السلام: " إن من الصدقة - أو قال: من المعروف - لفَضلَ لسانك تعبِّر به عن أخيك " . وقال عليه السلام: " لعن اللهُ المُثلِّث " . قيل: وما المثلِّث؟ قال: " الذي يسعى بجاره إلى سلطانه، فقد أهلك نفسه وجاره وسلطانَه " .
وروى محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال رسول الله عليه السلام: " اهتبِلوا عثَراتِ الكرام " . يقول: اغتنموا أن يعثروا فتصفحوا عنهم. وقال عليه السلام: " لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً " .
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: من أخذه اللهُ بمعصيته في الدنيا فاللهُ أكرمُ من أن يعيدها عليه في الآخرة، ومن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يأخذه بها في الآخرة. فيقال إن هذا أحسن حديث روي في الإسلام.