الفاضل محمد بن يزيد المبرد

باب منه

الجزء ١ · صفحة ٤

فقال: ما أراك إلا وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة كلها كما أنشدك أنشدتك، قال: نعم، فأنى أشاء، فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها، ثم أقبل على عمر فقال: أنشِد، فأنشده:

تَشِطّ غداً دارُ جيرانِنا

فقال ابن عباس:

وللدار بعد غدٍ أبعدُ

فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون - إن شاء الله - فاضطرب ابن أبي ربيعة وخجل، فقال له ابن عباس: إنما عنيت أنك أنت قلته، قال: يا عمّ، فكيف علمت؟ فقال: لا يكون بعد هذا إلا ذا.

ويروى أن أعرابياً سأله عن قول الشاعر:

لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا … وما عُلّم الإنسانُ إلاّ ليعلما

من الذي قاله؟ ومن عُني به؟ قال: عمرو بن حُمَمة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة وهو ابن سبعين، فألزموه السادسَ من ولد ولده حيث كبر، فجعل بينه وبينهم أمارةً إذا اختلط أن يقرع له العصا ليرتدع. فذلك قول المتلمّس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا

ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه سمع كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري ينشد:

ألا هل أتى غسان عنّا ودوننا … من الأرض خرق غَوله متتعتِعُ

مجالدُنا عن جِذمنا كلّ فخمة … مُدرّبةٍ فيها القوانس تلمعُ

فقال صلى الله عليه: " لا تقل عن جِذمنا وقل عن ديننا " . فكان كعب يقرأ كذلك ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعان رسول الله صلى الله عليه أحداً في شعره غيري.

وحدثني الرياشي في إسناد قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه المدينة اجتمعت عليه الأنصار، وجعلوا يخبرونه عن أمورهم، قال: وأنشده حسان:

وقد أروحُ أمامَ الحيِّ مُنتطِقاً … بصارمٍ مثلِ لونِ المِلحِ قَطّاعِ

يدفعُ عني ذبابَ السيفِ سابغةٌ … موّارةٌ مثلَ مَورِ النهْي بالقاعِ

في فتيةٍ كسيوفِ الهند أوجُههم … لا ينْكُلون إذا ما ثوَّب الداعي

قال: ورسول الله صلى الله عليه يتبسم، فظن أن تبسمه لما يسمع من وصفه ما هو عليه من جبنه. وذكر الزبير أن قومه كانوا يدفعون أن يكون جباناً، ولكنه أقعده عن الحرب أن أكحله قد قُطع، فذهب منه العمل في الحرب، وأنشد الزبير قولَ حسان:

أضرَّ بجسميَ مَرُّ الدهور … وخان قِراعَ يدي الأكْحَلُ

وقد كنت أشهد وقعَ الحروب … ويحمرّ في كفِّيَ المُنْصُلُ

ورِثنا من المجد أُكرومةً … يوَرِّثُها الآخرَ الأولُ

وحُدثت عن الأصمعي قال: الدليل على أن حساناً لم يكن جباناً من الأصل أنه كان يهاجي خلقاً فلم يعيّره أحد منهم.

وكان أبو بكر الصديق رحمة الله عليه - فيما يروى - شاعراً، وعمر شاعراً، وعلي أشعر الثلاثة. وينشد لعلي عليه السلام:

فلو كنّا إذا مُتنا تُركنا … لكان الموتُ راحةَ كلِّ حيِّ

ولكنّا إذا متنا بُعثنا … فنُسأل بعد ذا عن كل شيّ

وكانت عائشة رحمها الله تفسر قول رسول الله صلى الله عليه: " لأن يمتلئ جوفُ أحدِكم قيحاً حتى يَرِيَهُ )من الورى( خير له من أن يمتلئ شعرا " . قالت: يعني الهجاء منه.

وسمع أبو بكر يوماً قول لبيد:

أخاً لي أمّا كلَّ شيءٍ سألتُه … فيعطي وأمّا كلّ ذنبٍ فيغفر

فقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه.

وحدثني الرياشي قال: أنشد منشد أبا بكر قول زهير في هرِم بن سِنان:

أنْ نِعمَ معترَكُ الجياعِ إذا … خَبَّ السفير وسابئ الخمرِ

ولنعم حشو الدرع أنت إذا … دُعيتْ نَزالِ ولُجّ في الذعرِ

ومرهَّقُ النيران يُحمد في ال … لأواء غير مُلعَّن القِدْر

وجعل أبو بكر رحمه الله يقول عند كل بيت: ذاك رسول الله، حتى أنشده:

والسِّتْرُ دون الفاحشات وما … يلقاك دونَ الخيرِ من سِتْرِ

أي يكون لك ستراً دون الفاحشات من دون الخيرات. فقال: هكذا كان والله رسولُ الله صلى الله عليه. ثم قال: أشعر شعرائكم زهير.

باب منه

قال محمد بن علي بن الحسين - صلوات الله عليهم: إن الله جلّ وعزّ - أدّب محمداً صلى الله عليه أحسن الأدب، فقال تبارك وتعالى: " خُذِ العفوَ وأمرْ بالعُرفِ وأعرضْ عن الجاهلين " .

فلمّا قبل عن ربه جل وعز، وعمل بما أمره به ربُّه أثنى عليه فقال: " وإنَّكَ لعلى خلُقٍ عظيم " .

٤ / ٣٨