ولاية الحجاج العراق وأمره مع المهلب والخوارج
الجزء ١ · صفحة ٢٩٩أما بعد، فإن الله عز وجل قد فعل المسلمين خيراً، وأراحهم من حد الجهاد، وكنت أعلم بما قبلك، والحمد لله رب العالمين فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسم في المجاهدين فيئهم، ونفل الناس على قدر بلائهم، وفضل من رأيت تفضيله، وإن كانت بقيت من القوم بقية فخلف خيلاً تقوم بإزائهم، واستعمل على كرمان من رأيت، وول الخيل شهماً من ولدك، ولا ترخص لأحد في اللحاق بمنزلة دون أن تقدم بهم علي، وعجل القدوم، إن شاء الله.
فولى المهلب ابنه يزيد كرمان، وقال له: يا بني، إنك اليوم لست كما كنت، إنما لك من مال كرمان ما فضل عن الحجاج، ولن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك، فأحسن إلى من معك، وإن أنكرت من إنسان شيئاً فوجهه إلي، وتفضل على قومك إن شاء الله .
قال أبو العباس: وقدم المهلب على الحجاج فأجلسه إلى جانبه، وأظهر إكرامه وبره، وقال: يا أهل العراق، أنتم عبيد المهلب، ثم قال: أنت والله كما قال لقيط الإيادي:
وقلدوا أمركم لله دركم … رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا يطعم النوع إلا ريث يبعثه … هم يكاد حشاه يقصم الضلعا
لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده … ولا إذا عض مكروه به خشعا
ما زال يحلب هذا الدهر أشطره … يكون متبعاً طوراً ومتبعا
حتى استمرت على شر مريرته … مستحكم الرأي لا قحماً ولا ضرعا
فقام إليه رجل، فقال: أصلح الله الأمير! والله لكأني أسمع الساعة قطرياً وهو يقول: المهلب كما قال لقيط الإيادي، ثم أنشد هذا الشعر، فسر الحجاج حتى امتلأ سروراً.
قوله: نفل إي أقسم بينهم، والنفل: العطية التي تفضل، كذا كان الأصل، وإنما فضل الله عز وجل بالغنائم على عباده، قال لبيد:
إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريث وعجل
وكذا، أي أعيطتك، ثم صار النفل لازماً واجباً.
وقول الإيادي: رحب الذراع، فالرحب: الواسع، وإنما هذا مثل، يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين والذراعين، وليس المعنى على تباعد الخلق، ولكن عل سهولة الأمر عليه. قال الشاعر:
إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريث وعجل
وقال جل جلاله: " يسئلونك عن الأنفال " " الأنفال: 1 " ، ويقال: نفلتك كذا وكذا، أي أعطيتك، ثم صار النفل لازماً واجباً.
وقول الإيادي: رحب الذراع، فالرحب: الواسع، وإنما هذا مثل، يريد واسع الصدر متباعد ما بين المنكبين والذراعين، وليس المعنى على تباعد الخلق، ولكن على سهولة الأمر عليه. قال الشاعر:
رحيب الذراع بالتي لا تشينه … وإن قيلت العوراء ضاق بها ذرعا
وكذلك قوله جل وعز: " يجعل صدره ضيقاً حرجاً " " الأنعام: 125 " ، وقوله: مضطلعاً إنما هو مفتعل من الضليع، وهو الشديد، يريد أنه قوي عل أمر الحرب، مستقل بها. وقوله: يكون متبعاً طرواً ومتبعاً أي قد اتبع الناس فعلم ما يصلح به أمر الناس، واتبع فعلم ما يصلح الرئيس، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد ألنا وإيل علينا، أي قد أصلحنا أمور الناس، وأصلحت أمورنا. وقوله: على شرز مريرته فهذا مثل، يقال: شزرت الحبل، إذا كررت فتله بعد استحكامه راجعاً عليه. المريرة: الحبل. والضرع: لصغير الضعيف. والقحم: آخر سن الشيخ، قال العجاج:
رأين قحماً شاب وأقلحما … طال عليه الدهر فاسلهما
والمقلحم مثل القحم، وهو الجاف،ويقال للصبي مقلحم، إذا كان سيء الغذاء، أو ابن هرمين، ويقال: رجل إنقحل وامرأة إنقحلة، إذا أسن حتى ييبس. والمسلهم: الضامر. قال الشاعر:
لما رأتني خلقا ًإنقحلا
ويقال في معنى: قحم قحر، ويقال: بعير قحارية، في هذا المعنى، وقوله: لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه هم. فريث وعوض ما يضاف إلى الأفعال، وتأويله أنه لا يطعم النوم إلا يسيراً حتى يبعثه الهم، فمعناه مقدار ذلك ومما يضاف إلى الأفعال أسماء الزمان، كقوله عز ذكره: