الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

ولاية الحجاج العراق وأمره مع المهلب والخوارج

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

" هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " " المائدة: 119 " ؛ فأسماء الزمان كلها تضاف إلى الفعل، نحو قولك: آتيك يوم يخرج زيد. وجئتك يوم قام عبد الله، وما كان منها في معنى الماضي جاز أن يضاف إلى الابتداء والخبر، فتقول: جئتك يوم زيد أمير، ولا يجوز ذلك في المستقبل، وذلك لأن الماضي في معنى إذ، وأنت تقول: أجيئك إذ زيد أمير، والمستقبل في معنى إذا، فلا يجوز أن تقول: أجئتك إذا زيد أمير، فلذلك لا يجوز: أجيئك يوم زيد أمير. فأما الأفعال في إذا وإذ فهي بمنزلة واحدة، تقول: جئتك إذ قام زيد، وأجيئك إذا قام زيد، فهذا واضح بين، ومما يضاف إلى الفعل ذو في قولك: افعل ذاك بذي تسلم، وافعلاه بذي تسلمان معناه: بالذي يسلمكما، ومن ذلك آية في قوله:

بآية تقدمون الخيل شعثاً … كأن على سنابكها مداما

والنحو يتصل ويكثر، وإنما تركه الاستقصاء لأنه موضع اختصار، وقد أتينا على جمع هذا في الكتاب المقتضب . فقال المهلب: إنا والله ما كنا أشد على عدونا ولا أحد، ولكن دمغ الحق الباطل، وقهرت الجماعة الفتنة، والعاقبة للتقوى، وكان ما كرهناه من المطاولة خيراً مما أحببناه من العجلت. فقال له الحجاج: صدقت، اذكر لي القوم الذين أبلوا وصف لي بلاءهم، فأمر الناس فكتبوا ذلك للحجاج، فقال لهم المهلب: ما ذخر الله لكم خير لكم من عاجل الدنيا إن شاء الله. ثم ذكرهم للحجاج على مراتبهم في البلاء وتفاضلهم في الغناء، وقدم بنيه: المغيرة، ويزيد، ومدركاً، وحبيباً، وقبيصة، والمفضل وعبد الملك، ومحمداً وقال: إنه والله لو قدمهم أحد في البلاء لقدمته عليهم، ولولا أن أظلمهم لأخرتهم. قال الحجاج: صدقت، وما أنت بأعلم بهم مني وإن حضرت وإبت إنهم لسيوف من سيوف الله. ثم ذكر معن بن المغيرة بن أبي صفرة والرقاد وأشباههما، فقال الحجاج: أين الرقاد؟ فدخل رجل طويل أجنأ ، فقال المهلب هذا فارس العرب، فقال الرقاد: أيها الأمير، إني كنت أقاتل مع غير المهلب، فكنت كبعض الناس، فلما صرت مع من يلزمني الصبر ويجعلني أسوة نفسه وولده ويجاريني على البلاء، صرت أنا وأصحابي فرساناً؛ فأمر الحجاج بتفضيل قوم على قوم على قدر بلائهم، وزاد ولد المهلب ألفين، وفعل بالرقاد وجماعة شبيهاً بذلك.

قال يزيد بن حبناء من الأزارقة:

دعي اللوم إن العيش ليس بدائم … لا تعجلي باللوم يا أم عاصم

فإذ عجلت منك الملامة فاسمعي … مقالة مقني بحقك عالم

ولا تعذلينا في الهدية إنما … تكون الهدايا من فضول المغانم

فليس بمهد من يكون نهاره … جلاداً ويمسي ليله غير نائم

يريد ثواب الله يوماً بطعنة … غموس كشدق العنبري بن سالم

أبيت وسربالي دلاص حصينة … ومغفرها والسيف فوق الحيازم

حلفت برب الواقفين عشية … لدى عرفات حلقه غير آثم

لقد كان في القوم الذين لقيتهم … بسابور شغل عن بروز اللطائم

توقد في أيديهم زاعبية … ومقهة تقري شؤون الجماجم

قوله: من يكون نهاره جلاداً ويمسي ليله غير نائم يريد يمسي هو في ليله ويكون ه في نهاره، ولكنه جعل الفعل لليل والنهار على السعة، وفي القرآن: " بل مكر الليل والنهار " " سبأ: 33 " ، والمعنى بل مكركم في الليل والنهار، وقال من أهل البحرين من اللصوص:

أما النهار ففي قيد وسلسلة … والليل في جوف منحوت من الساج

وقال آخر:

لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى … ونمت وما ليل المطي بنائم

ولو قال: من يكون نهاره جلاداً ويمسي ليله غير نائم. فكان جيداً، وذاك أنه أراد من يكون نهاره يجالد جلاداً، كما تقول: إنما أنت سيراً، وإنما أنت ضرباً تريد تسير سيراً، وتضرب ضرباً، فأضمر لعلم المخاطب أنه لا يكون هو سيراً، ولو رفعه على أن يجعل الجلاد في موضع المجالد، على قوله: أنت سير أي أنت جائز كما قالت الخنساء:

فإنما هي إقبال وإدبار

٣٠٠ / ٣٣٦