تعليق من أمالي ابن دريد محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

رب أعن

الجزء ١ · صفحة ٣

لَئِنْ كانت الدُّنيا أَغَبَّت إساءةً … لَمّا أحسْنَتْ في سالِف الدَّهر أكثرُ

(11)وعن الأَصمعي قال: قال بعضُ الحكماءِ: اصطناع المعروف في الدنيا يَقِي مَصارع السُّوء.

(12)قال: وكان عبدُ الملك بنُ مَرْوان يقول: لأَن أُخطِئ وقد استشرت أحبّ إلىّ من أَن أُصيب برأْيٍ، وقد وَثِقْتُ بِرَأْيي وقد اصبت من غير مَشورة، فإن المُمْضِيَ رَأْيَه يُزري به أَمران، تصديقه رأيه الواجب عليه تكْذِيبه، وتركُه ما يزداد به بَصيرةً في أَمْره من المَشورة.

(13)قال: وقيلَ لبعض الحكماء: ما جِماعُ ما يَرْغَبُ فيه صاحبُ الدنيا. قال: الدَّعة من غير تَوانٍ، والسِّعة من غير تَبِعَة، والسُّرور من غير مَأْثَم.

(14)وقيل له: أيُّ الأُمور أَمْلكُ بالِانسان؟ الطّبيعةُ أم الأَدبُ؟ قال: الادبُ زيادةٌ في العَقل، والطبيعةُ عارِيةٌ لهما، ولكلّ واحدة آفات، قيل: فكيْف السّلامةُ من تلك؟ قال: هو ألا يَشوبَ العَقلَ العُجبُ، ولا العِلمَ الفخرُ، ولا النَّجدةَ البغْيُ، ولا اللُّبَّ الزيْغُ، ولا الحِلْمَ الحِقْدُ، ولا الجودَ السَّرَفُ، ولا الرأفةَ الجَزعُ، ولا التَّواضعَ المُخادَعةُ، ولا اللُّطْفَ المَلَقُ، ولا الحَياءَ البَلادَةُ، ولا الوَرعَ السُّمعةُ. قيلَ: فأيُّ الأدَبِ أَحْسَن؟ قالَ أَدبُ الصَّالحين.

(15)عن ابن عباس قالَ: قَدِم علينا عمرُ بن الخطَّاب - رحمةُ الله عليه - حاجّاً، فصَنَع له صفوانُ بنُ أُميّةَ طَعَاماً، قال: فجاءُوا بجَفْنَة يَحْمِلُها اربعة، فوُضِعَت بين القوم، فأخذَ القوم يأْكلونَ، وقام الخُدّام، فقالَ عمر: ما لي لا ارى خُدّامَكم يأْكُلُونَ؟ أَترغبون عنهم؟ فقال سُفيانُ بنُ عبدِ الله: لا واللهِ يا أميرَ المُؤْمِنِينَ، ولكنّا نَسْتَأْثر عليهم، فَغَضِبَ غَضَباً شَديداً، ثم قال: ما لِقَوْمٍ يَستأْثِروُن على خُدّامهم؟ فَعلَ الله بهم وفَعل. ثم قال للخُدّام: اجلْسِوا فكُلُوا، فقعدَ الخُدّامُ يأْكلون، ولم يأْكل أَمير المؤمنين.

(16)وعن عبد الله بن المُبارك، قال: اشترى عمرُ بن الخطاب أعراضَ المسلمين من الحُطَيْئة بثلاثة آلاف درهم، فقال الحُطَيْئة:

واخَذْتَ أَطْرار الكلام فَلم تَدَعْ … شَتْماً يَضُرُّ ولا مَدِيحاً ينفعُ

ومَنَعْتَني عِرَض البَخيلِ فَلَمْ يَخَفْ … شَتْمي فأصبحَ آمناً لا يَفْزَعُ

(17)وأَنشَدَ الأَصمعي ولم يذكر قائلاً:

تُبْدِي لَك العَيْن ما في نَفْسِ صاحبِها … من الشَّناءة، أو وُدّاً إذا كانا

إنَّ البغيضَ له عينٌ يصدُّ بها … لا يستطيع لِمّا في الصَّدْرِ كِتمانا

وعين ذي الوُدِّ ما تَنْفَكُّ مقبلَةً … تَرى لها مَحْجِراً بَشَّا وانسانَا

والعينُ تنطقُ والَأفواه صَامِتةٌ … حتى تَرى من ضميرِ الْقلبِ تِبْيانا

(18)وعن الأَصمعي قال: اسْتُعْمِلَ أسلم بن زُرارة الكَلْبي على خراسان، فكان ينبِشُ قبورَ الأَعاجم، لأَنهم كانوا يَدْفِنُون مَعهم الذَّهب والفضة، وكان عليها قبلة الحَكَمُ بنُ عَمرو الغِفارِيّ، فقال بَيْهُس بنُ صُهَيبٍ الجرْميّ:

تَعَوَّذ بحُجْرٍ واجْعل القبرَ في الصّفا … من الأَرض لا يَنْبِشْ عِظَاَمَك أَسْلَمُ

هو النَّابشُ القبرَ المُحيلَ عِظامُه … لينظُرَ هلْ تحتَ السَّقائف دِرْهَمُ

تَجَنَّبْ لنا قَبْرَ الغفارِيّ والْتَمِس … سِوى قَبرِه لاَ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الدَّمُ

(19)وأَنشَدَ الأَصمعي:

وأيّ خَير يكون في رَجُلٍ … ليْسَ لأُنْثَى يُدْعَى ولا ذَكَرِ

ليسَ له غَيْرُ نَفسِه نَسَبٌ … كأَنَّه آدم أَبو البَشرِ

(20)وأَنشَدَ الأَصمعي:

كِلابُ النَّاس إنْ فكَّرت فيها … أضرُّ عليك مِن كَلَب الكِلابِ

لأنَّ الكَلبَ لا يُؤْذي صَديقاً … وإنَّ صَديقَ هَذا في عَذابِ

ويأْتِي حين يَأْتِي في ثِيابٍ … وقَدْ حُزِمَتْ على رَجُلٍ مُصابِ

فَأَخْزَى الله أَثواباً عَليْهِ … وأَخْزَى الله ما تَحْت الثِّيابِ

(21)وأَنشَدَ عبد الرحمن ابن اخيِ الأَصمعي:

٣ / ٣٨