ومن الجزء السابع
الجزء ١ · صفحة ٣١دعوت بعباد وللنفس جهشة … إذا جهشت للموت ثم تراجع
ووقرت من نفس على كريمة … إذا جعلت نفس الحباب تطالع
(214) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: يا بني لا تتكلوا على الزمان، فإنه لم يزدد رجل على السن من اهله قرباً إلا ازدادوا منه بعداً، استانوا العشيرة، ولا تمشوا بينهم بالنميمة، واتبعوا قومكم فيما أحبوا، وإياكم والخلاف عليهم، فإنه نقض، واجتنبوا البغي فإنه آخر مدة القوم، وجازوا بالحسنة، ولا تكافئوا بالسيئة، ولا تردوا الكرامة، ولا تتبعوا الملامة، واعلموا إنما يوثق في الشدة بالقرابة، ويركن إلى أهل الوفاء، خير السجية ما لم يتكلف، ومن خيب دق، ومن انجد أدى ما عليه من حق، الحيطة غاية الحفظ، والعفو منتهى البر، والصدق تمام المروءة، والكذب يهدم الفعال، وبالقربى يعيش الرجال، وخير السيرة في العدو، والعفو وترك العقوبة يسل السخيمة.
(215) قالَ: مر المهدي على الجسر يعبر على برذون له، والناس حوله، واعرأبي واقف، فقال:
عجبت لبحر يحمل البحر فوقه … على ظهر برذون حواليه فيلق
ألا إن برذون الخليفة لايني … يمر علينا بين بحرين يعنق
ترى تحته بحراً تغشيه ظلمة … ومن فوقه بحر به الارض تشرق
أبرذون أني لا نراك معرقاً … وفوقك بحر جوده يتدفق
غشيت به امواج دجلة غدوة … فكادت به امواج دجلة تغرق
(216) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: أخبرني رجل من موالي بني هاشم من اهل الكوفة، قالَ: كان بالكوفة كتاب كتبه عبد الله بن معاوية يتدارسونه بينهم، فيه: أما بعد، فإن الأدب مكتسب، والعقل مؤدب، واخلاق الناس مختلفة، والعادة سائس الاعمال، والقلب ملك البدن، والرأي على قدر المستشار، وأشقى الناس ملوكهم، والألسن مقاتل المتكلمين، والأبهة نزع الاساءة، ومن ارمضه القول ارعوى، ومن هوى باطلاً زين له انفاذه، ومن خلا له العنان تمادى، ومن استوطأ العجز عثر به، وأزكى الناس أنقصهم خطوة، وأنصبهم قلوباً أعظمهم من الدنيا نصيباً.
(217) وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل عبد الله بن فضالة الغنوي على قتيبة، فرأى منه جفوة، فقال:
أذا أنت كلفت امراً فوق سعيه … تنكرت منه بعض ما كنت تعرف
وابدى لك الشنان والحرذون الحيا … يعاف فعال المستليم ويأنف
وكم من أخ لي ماجد قد رزئته … وكنت به في نازل الدهر أعطف
تجلدت عنه والجلادة شيمتي … إذا جعل الدهر المحرب يصرف
ويوعد إيعاد الهزبر تخمطاً … وكل امرئ لا بد أن سوف يتلف
ويدركه ما ادرك الناس قبله … وريب الزمان بالانام مكلف
وفي الارض ذات العرض عنك ابن مسلم … منادح، لا يجتابها المتعجرف
فما ضاقت الدنيا علينا ابن مسلم … فنرضى الذي يرضى اللئيم ونعرف
(218) وعن الأَصمعي، قالَ: كنت ماراً في بعض سكك البصرة، فإذا أنا بكناس ينقل العذرة، وهو يغني ويقول:
وأكرم نفسي إنني إن اهنتها … وحقك لم تكرم على احد بعدي
قالَ: قلت ويحك! عن أي شئ أكرمتها وهذه الجرة على عاتقك؟ قالَ أكرمتها عن الوقوف على باب مثلك، ثم ولى وهو يقول:
لنقل الصخر من قلل الجبال … أحب إلي من منن الرجال
يقول الناس كسب فيه عار … فقلت: العار في ذل السؤال
(219) وعن الأَصمعي، قالَ: رأيت أعرأبياً وقد وضع يده بباب الكعبة وهو يقول: بيا رب سائلك ببابك، مضت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه، وافع عنه، فإنما يعفي عن المسئ ويثاب المحسن، وانت أفضل من دعوت، وأكرم من رجوت.
(220) وعن الأَصمعي، قالَ سمعت أعرأبياً يدعو بعرفات، فقال: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد تقدمت إليك يا إله الذنوب، فأمنن على بما لا أستاهل، واطعني مالا استحق بطولك وفضلك وجودك.
(221) وعن الأَصمعي، قالَ: ودع أعرأبي رجلاً فقال: استودعك الله نائياً ودانياً وحيث استقرت بك النوى.