رب أعن
الجزء ١ · صفحة ٦(31)وعن الأَصمعي أن ابناً لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه ولم يسمّه سأَله أن يعطيه من مالِه، أو مال المسلمين، فقالَ عمر: أرَدْتَ أن القى الله ملكاً خائناً؟ هلا سألتني من مالي؟ ثم أعطاه كذا وكذا، شيئاً صالحا قد سمّاه من ماله.
(32)وأَنشَدَ الأَصمعي لرجل من بني هذم بن عوذ العبسي:
من يَكَ غافِلاً لم يَلْقَ بُؤْساً … يُنِخْ يوماً بساحته القَضاءُ
تعاوَرُه بناتُ الدهرِ حتّى … تُثَلِّمه كما ثُلِمَ الإناءُ
وكلُّ شَديدَةٍ نزلت بحَىٍّ … سيأْتي بعدَ شِدتِها رخاءُ
فقل للمُتَّقِي غَرَضَ المنايا … توَقّ فليس يَنفعك اتّقاءُ
فما يُعْطَي الحَريصُ غنيّ لحِرصٍ … وقد يَنْمِي لَدَى الجود الثَّراءُ
وليس بنافعٍ ذي البُخْلِ مالٌ … ولا مُزرٍ بصاحِبِه العَطاءُ
غَنِيٌ النفس ما اسْتَغْنَى غَنِىُّ … وفقْر النَّفس ما عَمِرَت شَقاءُ
يودّ المرءُ لو يُفني الليالي … ألا وفناؤُهُن لَه فَناء
وعن اسحق بن ابراهيم الموصلي قال: كانَ نُصَيْب من اهل وَدّان، وكان عبداً لرجل من بني كِنانة هو واهل بيته، وكان كقدماً عند الملوك، يجيد مدحهم ومراثيهم، قال اسحق حدثني رجل من اهل كلية، من خزاعة، وكلية: قرية كان يكون بها نصيب، وكثير، قال بلغني أن نصيباً قال: قلت الشعر وانا شاب فأعجبني قولي، ثم اتهمت رأيي ونفسي، فجعلت آتي أشياخاً من خزاعة، وأَنشَدَهم القصيدة من شعري، ثم انسبها إلى بعض شعرائهم، فيقولون: احسن والله، هذا الكلام، وهكذا الشعر، فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو يومئ ذ بمصر، فقلت لأختي امامة - وكانت عاقلة - : أي أخت إني قلت شعراً، وانا أريد عبد العزيز بن مروان، فأرجوا أن يعتقك الله به، وكل من رق من قرابتي. قالت: إنا لله وإنا اليه راجعون يا بن أم، اتجمع عليك الخصلتين: السواد، وأن تكون ضحكة للناس؟ قال: قلت: فأسمعي، فأَنشَدَتها، فقالت: بأبي أنت أحسنت والله، في هذا والله رجاء عظيم، فأخرج على بركة الله، فخرجت على قعود لي فأتيت المدينة، فوجدت بها الفرزدق في مسجد النبي صلى الله وسلم، فهويت إليه فقلت، أَنشَدَه واستنشده، وأعرض عليه شعري، فأَنشَدَته، فقال لي، ويلك هذا شعرك الذي تطلب به الملكو؟ قلت: نعم: قال: لست في شئ، إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فأفعل، قال: فأنفضخت عرقاً، وحصبني رجل من قريش كان قريباً من الفرزدق، سمع غنشادي، وسمع ما قال الفرزدق، فأوما الي، فقمت إليه، فقال: ويحك هذا شعرك الذي أَنشَدَته الفرزدق؟ قلت: نعم، قال: فقد احسنت والله، والله أن كان الرفزدق لشاعراً إنك لتعرف محاسن الشعر، وقد والله حسدك، فأمض لوجهك، ولا يكسرك ما قال، فسرني قوله، وعلمت أنه قد صدقني، قال: فأعتزمت المضي إلى عبد العزيز فحضرت بابه مع الناس، فنحيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراهم، فرأيت رجلاً على بغلة حسن الهيئة، يؤذن له إذا جاء، فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه اماشي دابته، فلمّا رآني قال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، انا رجل من اهل الحجاز، شاعر، وقد مدحت الامير، وخرجت إليه راجياً لمعروفه، وقد اخرت عن الباب ونحيت، قال: فأَنشَدَني، فأَنشَدَته، فأعجبه شعري، فقال: ويحك! هذا شعرك؟ اياك أن تنحل، فأن الامير راوية، عالم بالشعر، وعنده رواة، فلا تفضحن نفسك، فقلت: والله ما هو إلا شعري، قال: فقل أبياتاً تذكر فيها حوف مصر وتفضلها على غيرها، والقني بها غداً، فغدوت عليه، وأَنشَدَته:
سرى الهم تثنيني إليك طلائعه … بمصر وبالحوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لحمه … عن العظم، حتى كاد تبدو واشاجعه
قال: وذكرت فيها الغيث فقلت:
وكم دون ذاك العارض البارق الذي … له اشتقت من وجه أسيل مدامعه
يمشي به افناء بكر ومذحج … وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه
بكل مسيل من تهامة طيب … دميث الربا تسقى البحار دوافعه