دراسات عن الإباضية [نسخة مبوبة] عمرو بن خليفة النامي

الفصل الثالث: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

ولإدراك الطابع المميز لأبي عبيدة والناحية الخاصة التي ميزت شخصيته ، لا بد لنا من الإشارة إلى تأثير شيوخه . فهناك أولا عروة بن أدية ؛ وهو رجل قوي وتقي ذو خبرة واسعة بالنزاع السياسي والديني الذي وقع في أثناء الحروب الأهلية بين علي ومعاوية . وكان أول من رفض التحكيم وحارب عليا في معركة النهروان ، ثم قتله عبيد الله بن زياد في وقت لاحق . ووصفه خادم عروة إلى عبيد الله كما يلي : (( ما أتيته بطعام بنهار قط ، ولا فرشت له فراشا بليل قط )) ( 10 ) ، وقد قصد بذلك أنه كان يصوم باستمرار في أثناء النهار ، وينفق الليالي في الصلوات . ولابد أن أباب عبيدة ، وهو مولى عروة ، قد تأثر به إلى حد بعيد . وكان شيخه الآخر صحار العبدي خطيبا مفوها ، ونسابة عظيما ، وهو مؤلف كتاب في الأمثال ( 11 ) ، وكان فقيها كذلك ( 12 ) . وكان شيخه جابر بن زيد ضليعا في الشرع ، ومحدثا بارزا . ولما كان أبو عبيدة قد درس على هؤلاء العظام فإنه امتلك صفاتهم جميعا ؛ كان زاهدا ، وعابدا تقيا ( 13 ) ، وخطيبا مفوها ( 14 ) ، ومدرسا ممتازا ، وعالما كبيرا ، وسع ميادين الفقه والكلام والحديث . وأخيرا ، فإنه كان ذا قدرة تنظيمية ممتازة .

١٠٧ / ٣٥٠