الفصل الثالث: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، الإمام الثاني للجماعة الإباضية في البصرة
الجزء ١ · صفحة ١٠٨وفي ميدان العقيدة الإباضية ، نهج أبو عبيدة نهج جابر بن زيد نفسه ، إلا أنه إسهامه بالآراء الفقهية كان أكبر لكي يواجه المشاكل في هذا الميدان . ولعل ذلك عائد إلى تأثير مدرسة صحار العبدي أيضا . وسار أبو عبيدة في فتاويه على نفس نهج سلفه ، جابر بن زيد ، وهو الذي كان فخورا به جدا ، وقد قال : (( كل صاحب حديث ليس له إمام في الفقه ، فهو في ضلال . ولولا أن الله أنعم عليما بجابر بن زيد ، لضللنا ( 15 ) . وكان مثل شيخه يحترم الصحابة وآراءهم بنفس الدرجة . من أمثال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن سلام ، وهم الراسخون في العلم وهو القائل عنهم : وعلة آثارهم اقتفينا وبقولهم اقتدينا وعلى سيرتهم اعتمدنا وعلى مناهجهم سلكنا )) ( 16 ) .
والطريقة التي نهجها أبو عبيدة هي أن يتمسك بقوة بتعاليم الصحابة والتابعين ، لا أن يتبع أي مسار قد يبعده عنهم . وعنده أن أتباع السنة دليل على تقوى المسلم . وقد نقل عن ابن عباس أنه قال : (( من روى حديثا يدعو إلى الصلاح ، ثم بذل جهده في إتباعه ، كما رواه فإنه له أجرين ، أجر الحفظ ، وأجر العمل ؛ وإذا لم يكن الحديث كمما رواه ، فهو ينال الأجر نفسه ، لأن الله لا يضيع أجر من عمل صالحا ؛ ولن يضيع الله أجر العمل الصالح والعبادة إلا إذا كان العمل بدعة ( 17 ) وبعد عرض هذا الرأي لابن عباس ، علق أبو عبيدة قائلا : (( اعلموا أن المسلم ، إذا كان الله قد وهبه نفسا صالحة موجهة إلى عبادة الله ، حين يسمع ما يقربه من الله يبذل وسعه في إتباعه ، فهو سيؤجر كما ذكر من قبل . أما إذا كان هذا الشخص ذا نفس شريرة فهو يمل عبادة الله ويكره العبادة . همه كله عند ذاك في الجدل والشك . وإذا ما سمع حديثا يدعوه إلى العمل ، عارضه بالقياس وقال : هذا الحديث ليس صحيحا ، لأن رأيه الذي يلائم رغبته لا صلة له بطاعة الله ( 18 ) .