تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأعراف

الجزء الأعراف · صفحة ٠
[سورة الأعراف — آية 101]

﴿ تِلْكَ القُرَى ﴾ أَى قرى الأَهل المذكورين فى قوله من بعد أَهلها ، أَو القرى المعهودة ، أَى قرى الأمم المذكورين ، قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط ، والقرى تابع لتلك والخبر قوله ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ يا محمد ﴿ مِنْ أَنْبَائِهَا ﴾ أَو القرى خبر أَفاد الحال ، وهى نقص ، فإِن كونها قرى لا يجهل ، كما تقول هذا زيد عالماً لمن علم زيدا وجهل أَنه عالم ، أَو ذلك خبر إِن أَفاد أَولهما بثانيهما كما تقول لمن علم زيداً هذا زياد عالم ، تفيده أَنه عالم ، وإِن جعلنا أل فى القرى للكمال فقد أَفاد سواء جعلنا نقص حالا أَو خبراً ، وجعلنا القرى تابعاً أَو خبراً ، والمراد بأَنبائها أَخبار أَهلها ، ولم يذكر أَهلها لأَن إِهلاكها لأَهلها وزيادة فهو أَقطع ، وحكمة القص لأَحوالهم مع الاستئصال دفعة أَهول للكفرة ، وفيه تسلية رسول لاله صلى الله عليه وسلم ، وتحذير قومه من أَن ينزل عليهم مثل ما نزل على من قبلهم ، ونقص بمعنى قصصنا أَو سنقص فى السور الأخر ما لم نقص هنا . ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ المعجزات الواضحة الدالة على صحة رسالتهم قسمة الآحاد على الآحاد لا توجب التسوية ، فإِن لبعض الرسل آيات متعددة ، ولبعض الرسل أَكثر من بعض ، تقول : باع القوم دوابهم ، ولبعض دابة ولبعض اثنتان ولبعض أَكثر ﴿ فَمَا كَانُوا ﴾ بعد مجئ رسلهم ﴿ لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا ﴾ من التوحيد ولوازمه الشرعية مما يجب فعله أَو تركه والبعث والحساب والثواب والعقاب ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ قبل مجئ رسلهم بعين ما كذبوا به ونحوه قبل المجئ ، وقد كانوا يسمعون من بقايا من قبلهم قبل مجئ رسلهم ، ولم يجعل فى الآية الحد لانتفاء إِيمانهم منتف إِلى موتهم ، فما آمنوا قط ، ولن يؤمنوا إِلى الموت ، أَو فما كانوا ليؤمنوا فى بقية أَعمارهم بما كذبوا به قبل هذه البقية وبعد مجئ الرسل ، ففى هذا الوجه لم يذكر عدم إِيمانهم قبل مجئ الرسل إِلا بالمقام ، وبقوله « تلك القرى » إِلخ ، وأَما قوله « فما كانوا ليؤمنوا » فلا يلزم منه انتفاء الإِيمان قبل ، أَلا ترى أَن اليهود آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولما جاءَ كفروا به ، الرابط محذوف لظهور المعنى ، وقد جر الموصول بما جر به ولكن لم يتحد المتعلق وتقديره : بما كذبوا به ، ويجوز تقديره منصوبا أَى بما كذبوه ، أَى بما أَنكروه ، ويجوز أَن تكون ما مصدرية بسبب تكذيبهم بما سمعوا به قبل مجئ الرسل ، ويجوز أَن يكون المكذب به واحد كقوله تعالى : ﴿ ولو ردوا لعادوا ﴾ وذلك جميع الشرائع ، وقيل : ضمير كذبوا لأَسلافهم ، وفيه تفكيك الضمائر بلا قرينة معينة ﴿ كَذَلِكَ ﴾ الطبع المذكور على قلوب أَهل القرى ﴿ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴾ الجائين بعدهم ، أَو يطبع على من مضى وغيرهم لكفرهم ، فالكافرون الجنس ، أَو الكافرون المعهودون فى زمانه صلى الله عليه وسلم ، فاللفظ للعهد ، وأَظهر مقام الإِضمار للإِيذان بعلية الكفر .

١٬٠٥٥ / ٦٬٢٣٦