سورة محمد
الجزء محمد · صفحة ٠﴿ الذين كَفَروا ﴾ بالقرآن عموما ، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وصَدوا ﴾ من الصدود ، وهو لازم ومعناه العارض أى أعرضوا ﴿ عَن سَبِيل الله ﴾ لم يعلموا بما أمروا بعمله ، ولم ينتهوا عما نهوا عنه من الأقوال والأفعال ، ويدل على أنه من الصدود وهو لازم قوله تعالى : ﴿ قل هذه سبيلى أدعو الى الله ﴾ أى فأجيبونى اليها ، أى لا تعرضوا عنها ، مع قوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أى لم يعرضوا فآمنوا وعملوا الصالحات ، مقابل عن سبيل الله ، وآمنوا بما نزل على محمد مقابل الذين كفروا ، ويجوز أن يكون متعديا من الصد فحذف المفعول لعموم ، أى صدوا كل من وجدوا ، أى دعوه الى الاعراض عن سبيل الله ، سواء طاوعهم أو لم يطاوعهم .
ويدل على التعدى قول الضحاك : سبيل الله ، بيت الله ، كانوا يصدون من قصد بيت الله عنه ممن كرهوا ، وأرادوا أخذ شىء عنه ، فاذا أعطاهم خلوا بينه وبين البيت ، والأولى العموم لا خصوص البيت ، والآية عامة لكل من اتصف بالكفر والصد عن سبيل الله ، هم اثنا عشر رجلا يصدون الناس عن الاسلام ، وقول بعضهم : انهم شياطين من الجن من أهل الكتاب ، صدوا عن الاسلام من أراده من الجن وغيرهم ، وأما الاطعام يوم بدر الكبرى تقوية للمشركين ، فلا يقوى التعدية كما توهم بعض المحققين وابن عباس ، فسر الذين كفروا وصدوا بالمطعمين يومئذ ، وقيل : اليهود ، وقيل : كفار قريش ، والأولى عموم من كفر وصدوا ، لم يكن الاطعام مقويا للتعدى لأن الذين أكلوا من ذلك الطعام كافرون من قبل الاطعام يستمرون على الكفر ، ولو لم يطعموا ، نعم المطعمون أشد كفرا وصدا وصدودا من غيرهم .
ويجاب بأن تعميم الآية فيمن أطعم ومن لم يطعم أعظم فائدة . بل لو فسرت باصدود بلا اطعام ، أو بالصد بدونه لدخل المطعم بالأولى ، فلا يخفى أن الضال بنفسه دون الضال المضل ، والضال المضل دون الضال المطعم ، لأنه يضل الناس بنفسه وماله ، وفيه أنه لا إضلال فى الاطعام كما مر ، إلا أن يراد بالاضلال فى جانبهم التجسير على السفر لغزوة بدر ، واول من أطعم أبو جهل ، أطعم المشركين يوم خرجوا من مكة الى بدر نحو عشرا من الابل ، ثم صفوان بن أمية تسعا بعسفان ، ثم سهر بن عمر وبقديد عشرا ، ثم شيبة بن ربيعة ، وقد تاهوا تسعا ، ثم عتبة بن ربيعة عشرا ، ثم مقيس الجمحى بالأبواء تسعا ، ثم العباس عشرا قبل اسلامه ، أو بعد اسلامه ، ومن أسلم قبل نسخ الهجرة ولم يهاجر فاسق ، وقيل : مشرك ، كأنه خرج وأطعم بصورة القهر ، ولم يقدر ، وكأنه فعل ليشفع فيه صلى الله عليه وسلم ان كان مغلوبا .
وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم وصى به أن لا يقتل ، وأنه خرج مغلوبا ، وأنه لم يطعم ، والحارث بن عمرو تسعا ، أبو البحترى على ماء بدر عشرا ، ومقيس تعسعا ، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم ، وقيل : المطعمون ستة : نبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل والحارث ابنا هشام ، وزاد مقاتل ستة : عامر بن نوفل ، وحكيم بن حزام ، وزمعة بن الأسود ، والعباس ، وصفوان بن أمية ، وأبو سفيان كل يطعم يوما .
﴿ أضلَّ ﴾ أبطل ، ﴿ وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾ أو جعل أعمالهم ضلالا غير هدى ، أو جعلها ضالة أى غير مهتدية على التجوز فى الاسناد ﴿ أعمالهم ﴾ من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بهذا الاطعام ، فلم يؤثر بل قتلوا وأسروا ، ومن العمل الصالح لم ينجوا بها من ذلك فى الدنيا ، ولا يثابوا عليها يوم القيامة ، كصلة الرحم ، وقرى الضيف ، وفك الأسير ، وإجارة المستجير ، واطعام اليتيم ، والهدى ، وغير ذلك من المكارم .