سورة الأعراف
الجزء الأعراف · صفحة ٠﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى ﴾ من المناجاة ﴿ إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ ﴾ عليهم لعبادتهم العجل ، وقد أَخبره الله فى المناجاة أَو فى الرجوع قبل الوصول ﴿ أَسِفًا ﴾ حزناً أَو شديد الغضب ، وليسا بمعنى واحد ، كرر للتأْكيد كما قيل : وإِذا أَصبت بمن فوقك حزنت ، أَو بمن تحتك غضبت ، فهو حزن لله سبحانه وتعالى ، غضبان على قومه ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنْ بَعْدِى ﴾ لإِشراككم ، والمراد من بعد غيبتى أَو توحيدى وإِخلاصى العبادة لله عز وجل . وما : واقعة على الخلافة اسم موصول أَو نكرة موصوفة ، والرابط مفعول مطلق محذوف ، أَى بئس الخلافة التى خلفتمونيها ، أَو بئس خلافة خلفتمونيها ، والمخصوص بالذم محذوف ، أَى خلافتهم هذه ، أَو الفاعل مستتر ، وما نكرة موصوفة تمييز أَو مصدرية ، والمصدر تمييز أَو فاعل ، والخلافة بقاؤهم خلفه ، أَو كونهم خلائف فى فعل ما يفعله وقول ما يقول ، ومن حق الخلفاء أَن يسيروا بسيرة مستخلفهم ، ولا يتكرر قوله من بعدى مع قوله خلفتمونى لأَن معنى الخلافة أَن يقوموا مقامه فى التوحيد والعدل وإِبطال الشرك ، ومعنى البعدية ذهابه عنهم إِلى المناجاة ، والخطاب للكفرة منهم ، إِذ عبدوا العجل ، أَو المعنى قمتم مقامى ، فالخطاب لهارون والمؤمنين معه ، إِذ لم يكفوا عباد العجل عن عبادته ، والخلافة فى الحقيقة لسيدنا هارون صلى الله عليه وسلم ، وغيره من المؤمنين تبع له ، وعلى أَن الخطاب له فقط ظن موسى صلى الله عليه وسلم الظن البشرى العاجل الذى لا يؤاخذ عليه ، ولا سيما مع عظم الشرك ، وشدة غضبه أَن هارون لم يفرغ وسعه حتى يمنعهم من الشرك ، فلذلك قيل بئسما ، أَو الخطاب للكفرة وفهارون عليه السلام ومن معه فهم أَشركوا ، وهارون ومن معه قصروا فى ظنهم لموسى عليه السلام ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ ضمن عجل معنى سبق أَو ترك فعداه ، أَى أَسبقتم أَمر ربكم ، أَو تركتموه ، أَى شأنه ، وهو واحد الأُمور ، وهو توحيده وعبادته ، أَو ميعاده أَن يبقوا على الدين ، حتى يأْتى بالتوراة على رأس أَربعين فى قوله ﴿ فتم ميقات ربه أَربعين ليلة ﴾ أَو ثلاثين يوماً ، ويقال : عدوا الليل يوماً والنهار يوماً ، فتم عدد الأَربعين على عشرين ، وقالوا ، أَو قال لهم السامري فتبعوه أَن موسى صلى الله عليه وسلم لم يأْتنا وقد مات ، أَو الأَمر ضد النهى ، أَى تركتم أَمره بالتوحيد والعبادة ﴿ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ ﴾ تغلبت عليه شدة الغضب لدين الله فنسى الأَدب مع الأَلواح فأَلقاها فى موضع ليرجع إِليها إِذا تفرغ لكن بعنف فانكسرت فرفع منها ستة أَسباع كان فيها تفصيل كل شئ ، وبقى سبع كان فيه المواعظ والأَحكام . وقيل : رفع ما فى الستة من الإِخبار بالغيب لا نفس الأَلواح ، ثم رد ما رفع فى لوحين بعد أَن صام أَربعين يوماً أخرى لترد ، أَقدر الله تعالى موسى على حملها ولو كان وقر سبعين بعيراً .
قال ابن عباس رضى الله عنهما : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يرحم الله أَخى موسى » ، ليس الخبر كالمعاينة إِن الله تعالى أَخبر موسى أَن قومه قد ضلوا فلم يكسر الأَلواح ، ولما عاين ذلك كسر الأَلواح ، أَى اَلقاها عمداً مع تغلب الغضب لا إِهاننة ، وقيل : وقعت منه بلا اختيار منه لغفلته عنها للغضب ، والآية إِخبار لنا بما وقع لا تعنيف لموسى ، فضلا عن أَن يقال : لو كان بلا اختيار لم يعاتبه الله سبحانه وتعالى ، ومعنى قوله تعالى ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب أَخذ الأَلواح ﴾ أَنه أَخذ بقيتها ، أَو أَخدها كلها كما هو ظاهر الآية ، ما لم يكسر وما كسر ، كما روى أَن كسورها فى تابوت بنى إسرائيل إِلى زمن داود عليه السلام وما بعده مع السكينة كما قال الله عز وجل ﴿ وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ﴾ ومن القول بأَن الأَلواح عشر وغير ذلك ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ بشعر رأس أَخيه هارون عليهما السلام ، وهو شعر لحيته كما فى طه ، والقول بأَنه أَخذه ليناجيه فى شأْن القوم ويسأَله ، أَو ليسكته مما فيه من الغضب ، أَو أَخذه أَخذ الإِنسان لحيته فى غضب ، غير ظاهر ولا دليل عليه ، والجر إِليه بدل على العنف وهو المراد ، وما ذكر لا عنف فيه ، وقوله : ﴿ لا تأْخذ بلحيتى ﴾ دليل على العنف والعتاب ، وكذا قوله ﴿ رب اغفر لى ﴾ أَى اغفر لى الجر ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ توهما بأَنه قصر فى كفعن عن الشرك وذلك التوهم جاءه من شدة الغضب لله ، ولا يؤاخذ عليه ، وكان أَكبر من موسى بثلاث سنين ، وكان متحملا لجفاء من جفاه وكان أَحب إِليهم ، وموسى حديد شديد الغضب ومع شدته وحدته يحبه كل من رآه ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ يابن أم والأَصل أمى قلبت الياء أَلفاً ، وحذفت الأَلف ، وجر الإِضافة مقدر فى الميم ، أَو ذلك كمركب مبنى على الفتح ، وهو أَخوه لأُمه وأَبيه ، واقتصر على الأُم تعطفاً ، ولأَن المقام للعجلة ﴿ إِنَّ الْقَوْمَ ﴾ بنى إِسرائيل الكفرة ﴿ اسْتَضْعَفُونِى ﴾ وجدونى ضعيفاً ، أَو صيرونى ضعيفاً ، أَو عالجوا ضعفى باجتماعهم على حتى قهرونى ﴿ وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى ﴾ حين أَتيت بمجهودى فى كفهم عن عبادة العجل ﴿ فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ ﴾ أَى لا تجعلهم شامتين بى ، أَى فرحين ببليتى التى هى الجر بالرأس المشروع فيه ، والشتم باللسان لى ، واللفظ نهى عن المسبب والمراد النهى عن السبب ، وهو فعل ما يكون سبباً لشتمهم ، كأنه قيل : لا تفعل ما يكون سبباً لشمتهم ، أَى لا تبق على هذا الجر ، أَو لا تزد جراً آخر ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِى ﴾ لا تصيرنى بالتهمة ، أَو لا تعتقدنى ﴿ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ فى المؤاخذة والتقصير أَو الرضا ، وقد آخذ بالقول فى قوله ﴿ بئسما خلفتمونى ﴾ وقوله ﴿ ما منعك إِذ رأَيتهم ضلوا أَلاَّ تتبعنى ﴾ إِلخ . . ومقتضى الظاهر معهم ، وأَظهر ليصفهم بالظلم .