تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 105]

﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ ﴾ للنبى صلى الله عليه وسلم ﴿ رَاعِنَا ﴾ اعتبرنا وانظر أحوالنا ، وتدبرها ، وتدارك مصالحنا ، وتأنّ بنا حتى نفهم ما تقول ، هذا مرادهم ، رحمهم الله ، ومن ذلك رعى الغنم ونحوها ، والمفاعلة للمبالغة هنا ، وهى بلغة اليهود سب ، لما سمعوا المؤمنين يقولونها قالوها له صلى الله عليه وسلم سبّاً فى لغتهم ، عبرية أو سريانية ، يتسابون بها بينهم ، فكانوا يسبون بها النبى صلى الله عليه وسلم ، وليست من الرعونة بمعنى الحمق ، وإن كانت منها فمما توافق فيه لغة العرب والعجم ، وقد يكون بين لفظ العرب ولفظهم مغايرة فيزيلونها ليوافقوا كلام العرب خداعاً للسب .

وقد قيل ، معناها ، اسمع لا سمعت ، وقالوا ، كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن ، فيقولون ، يا محمد راعنا ، ويضحكون فيما بينهم ، ويقال ، كان مالك بن صيف ، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبى صلى الله عليه وسلم قالا وهما يكلمانه ، راعنا سمعك ، واسمع غير مسمع ، فظن المسلمون ، أن هذا شىء يعظمون به الأنبياء فنزلت الآية .

ويقال ، كان ذلك لغة للأنصار فى الجاهلية ، وكان سعد بن معاذ ، أو سعد ابن عبادة يعرف لغتهم ، فسمعهم يقولونها للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، والذى نفسى بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه ، قالوا ، أو لستم تقولونها؟ فنزلت الآية قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس ، ويحتمل أن يريد أنت راعن ، أو يا راعن ، أى أحمق ، فزادوا الألف وفتحوا ، أو أنت راعينا لا نبى ، فحذفوا الياء أو اختلسوها ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ اعتبرنا حتى نفهم ، أو أمهلنا ، فإنه يقال ، نظره بمعنى أمهله فلا حادة إلى تقدير انظر إلينا ﴿ وَاسْمَعُواْ ﴾ من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول وعمل وانتهاء بجد ، بحيث لا تحتاجون إلى الإعادة وطلب المراعاة ، لا كقول اليهود سمعنا وعصينا ، السابين براعينا ، ولا تكونوا أيها المسلمون مثلهم فى طلبكم الإعادة ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ اليهود السابين براعنا . أو جعله للكافرين . فدخل اليهود ، وذلك السب كفر ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ زعم طائفة من اليهود أنها يودون الخير للمؤمنين فكذبهم الله عز وجل بقوله :

﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ يحب ، أو يتمنى حسداً ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ﴾ أى ، وهم أهل الكتاب ، وكلهم كفرة ، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا من آمن ، كعبدالله بن سلامن وإن جعلناها للتبعيض فالمراد البعض الأكثر ، وهو خلاف الظاهر ﴿ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ من العرب ، والكلام جاء فيهم عطف على أهل الكتب ، وذكرهم اتباعا لليهود ، وهم لم يدعوا ود الخير للمؤمنين ، ولذلك أخرهم ﴿ أَنْ يُنَزَّلَ ﴾ أى أن ينزل الله ﴿ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ نائب فاعل ينزل ، فمن صلة للتأكيد والاستغراق ، وصح ذلك مع أن قوله ينزل مثبت لانسحاب نفى الود إليه ، والمراد بالخير الوحى والعلم والنصر ، وغير ذلك من أنواع الخير ، وكراهتهم تعم كل خير .

روى أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود ، آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : وددنا لو كان خيراً مما نحن فيه فنتبعه ، فنزلت الآية تكذيباً لهم ، ومعنى تكذيبهم ، أنه صلى الله عليه وسلم على خير مما هم فيه ، ولم يؤمنوا ، وقيل : نزلت تكذيباً لجماعة من اليهود ، يظهرون أنهم يحبون المؤمنين ، وإنما قال عليكم مع أن الوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنا متعبدون بما أنزل إليه ، فهو خطاب متوجه إلينا ، وواقع علينا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أبلغ من تقدير مضاف ، أى ينزل على نبيكم ، ولا تنزيل إلا من الله ، ومع ذلك قال ﴿ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ إغاظة للكفار ، وتحبيباً لنفسه إلينا ، وتذكيراً لنعمة التربية منه ، والعبودية منا له ﴿ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ﴾ أى السعادة والجنة ، أو النبوة ، أو هى الخير المذكور ، ذكره بالاسم الظاهر تصريحاً بأنه رحمة من الله ، وفضل لا واجب عليه ، ولا يوجبه عمل عامل ، أو أراد بالرحمة مطلقها فى الأمة وسائر الأمم ﴿ مَنْ يَشَآء ﴾ هو النبى صلى الله عليه وسلم وأمته دون اليهود والمشركين والمنافقين ، وهو العموم ﴿ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ كل خير دينى أو دنيوى أو أخروى منة من الله عز وجل ، ولما قال اليهود والمشركون من العرب : محمد يقول من عنده لا من الله ، لأنه يأمر بأمر ثم ينهى عنه نزل :

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾ نرفع حكمها ولفظها ، أو نرفع حكمها ، ونبقى لفظها ، أو نرفع لفظها ونبقى حكمها ﴿ أَوْنُنْسِهَا ﴾ نرفعها من قلبك ، ونمحها منه ومن قلوب أصحابك فلا يدركون لفظها ولا معناها ، ولا العمل بها ، وهذا قسم آخر ، لأنه قد يكون فى الأخبار ، وقد يكون فى غيرها ، فإما أن يكون معناها فى آية أخرى ، أولا ، فيكون قد رفع التكليف بها ، وهو شامل النبى صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : ﴿ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ﴾ وأما الامتناع فى قوله تعالى : ﴿ ولو شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إلينا ﴾ فباعتبار مالا يجوظ نسخه ، أو باعتبار الكل ، وبين النسخ والإنساء عموم وخصوص يجتمعان فى الرفع عن القلوب ، ويختص النسخ بمنسوخ الحكم مع بقاء التلاوة ، وبالعكس ، ويختص الإناء بالأخباء التى أذهبت عن القلوب ﴿ فَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ ﴾ ثواباً أو سهولة فى الامتثال ﴿ أَوْ مِثْلِهَآ ﴾ فى ذلك ، كما قال : « وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ، قالوا : إنما أنت مفتر » .

روى أن جماعة من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة ، فلم يبق لهم منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فأخبروه صلى الله عليه وسلم غدوة الليلة ، فقال : رفعت تلاوتها وحكمها ، ومما نسخ لفظه وحكمه : عشر رضعات معلومات يحرمن ، وكثير من سورة الأحزاب ، وكانت كالبقرة ، إلا أنه يحتمل بقاء بعض حكمها فى سورة أخرى .

قال بعض الصحابة : كنا نقرأ سورة تشبهها فى الطول والشدة ببراءة ، فأنسبتها ، غير أنى حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا تراب ، وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنى حفظت منها ﴿ يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ فتكتب شهادتها فى أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة .

ومما نسخ لفظه فقط آية الرجم : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما . . . الآية ، قال عمر : قرأناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ، إذا كانت البينة أو الحمل أو الاعتراف ، وكانت فى سورة الأحزاب ، وقيل فى النور ، وقوله تعالى : خروجكم عن آبائكم كفر ، يعنى انتسابكم إلى غيرهم .

ومما نسخ حكمه فقط آية عدة الوفاء بالسنة ، نسخت بآية العدة بأربعة أشهر وعشر ، وآية وجوب ثبوت واحدة لعشرة بآية ثبوت واحد لاثنين .

ويكون النسخ بالإبدال إلى أخف كالأربعة الأشهر ، والمصابرة لأقل من ثلاثة ، وإلى أثقل كوجوب الصوم بعد التخيير بينه وبين الإطعام ، وكترك القتال حتما إلى وجوبه فيما قيل ، ونسخ الإباحة إلى التحريم ، كتحريم الخمر بعد إباحتها ، وإلى مساو كنسخ الصلاة إلى القدس بالصلاة إلى الكعبة ، وبلا إبدال ، وحمل عليه قوله عز وعلا : « أو ننسها » فالمعنى نأت بغيرها فى غير شأنها ، وأما نسخ وجوب صوم عاشوراء إلى الندب بصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، أو برمضان أو صوم الثلاثة برمضان فموجود ، إلا أنه لا يوجد المنسوخ فى القرآن صراحا ، بل بتأويل . ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ زيادة تثبيت للنبى صلى الله عليه وسلم ، وأمته تبع له ، أو الخطاب لكل من يصلح له ، يعلمون أن الله لا يعجزه شىء ، فقد نسخهم قردة وخنازير بعد أن كانوا فى صورة البشر ، وليس ذلك بداوة ، بل قضى الله الأزل ، أن بقاءهم فى صورة البشر إلى وقت مخصوص ، فكذلك قضى الله فيه ، أن الآية تبقى إلى كذا ، ثم إنه إن كان النسخ إلى أخف فالخيرية فى النفع ، أو إلى أثقل فالخيرية فى الثواب ، هذا فى الحكم ، وإن كان النسخ فى اللفظ إلى أخصر فالخيرية فى النفع ، أو إلى أطول نفى الثواب ، وإن كان فى اللفظ والحكم إلى أخف حكما وأخصر لفظاً فالخيرية فى النفع ، أو إلى أثقل حكما وأطول لفظا فالخيرية فى الثواب ، أو إلى أخف حكما وأطول لفظا فالخيرية فى النفع والثواب ، أو إلى أثقل حكما وأخصر لفظا فالخيرية فى الثواب بالنسبة للحكم ، وفى النفع بالنسبة إلى اللفظ ، منه بعضهم النسخ إلى أثقل .

والنسخ دليل على أن القرآن حادث مخلوق ، ولا نثبت الكلام النفسى ، فضلا عن أن يقال : التعبير من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسى ، وهى الأفعال ، فى الأمر والنهى ، والنسب الخبرية فى الخبر ، وفى إثبات الكلام النفسى إثبات كون الله ظرفا ومتحيزا ، وإن رجع ذلك إلى العلم لزم أن كل ما علمه قديم ، والقرآن هو هذه الألفاظ ، لا غيرها .

١١٢ / ٦٬٢٣٦