سورة الأنفال
الجزء الأنفال · صفحة ٠﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ كاملو الإِيمان ، مبتدأ خبره قوله ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ ﴾ ذكر وعيده ﴿ وَجِلتْ ﴾ خافت ﴿ قُلُوبُهُمْ ﴾ ذلك الوعيد ، أَو إِذا ذكر الله بالوعد أَو بالوعيد أَو غير ذلك خافته قلوبهم خوف إِجلال ، فيفزعون إِلى ذكره ، وإِذا هموا بمعصية فقيل لهم : اتقوا الله خافوا وتركوها ، ووجل القلب لا ينافى الاطمئنان فى قوله تعالى : ﴿ أَلا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ فإِنها تطمئن بتحقيق التوحيد . وتحقيقه لا ينافى الخوف من الله تعالى ، والدعاءُ مجاب عند اقشعرار القلب خوفا كما قالت أم الدرداءِ رضى الله عنها ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ ﴾ ما نزل من القرآن ﴿ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ تصديقا بالقلب وعملا بالقول والجوارح ، فإِن الإِيمان بتلك المعانى يزداد قوة و رسوخا بزيادة الأَدلة وتداعى بعض لبعض والفكر . وينقص بإِهمال الفكر والعمل على عكس التداعى ، فكلما نزلت آية تقووا ، والكافر بها يزداد كفرا بنزول أُخرى ، كما أَنه إِذا انكشف الغطاءُ صدق من كذب وازداد يقينا من صدق إِلا قليلا كما قيل عن الإِمام على : لو انكشف الغطاءُ لم أَزدد إِلا يقينا ، فهذا من الإِمام على ظاهر فى أَن الإِيمان يزداد وينقص ، والمعنى بزيادة الأَدلة والعمل بمقتضاه وضعفه بعدم التفكر والعمل بغير مقتضاه ، كما يتفاوت بطلوع الشمس ، وبحدوث العالم ، وذلك تحقيق لا خلاف لفظى ، كما زعم بعض أَن ترك العمل هو نقصه ، وقول البخارى : لقيت أَكثر من أَلف عالم من الأَمصار يقولون الإِيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص - ليس نصا فى أَن النقص بترك العمل ، وإِنما هو إِخبار بأَنه يزيد وينقص ، وتبادر من عبارته ليس بترك الأَعمال ، وحديث أَنه صلى الله عليه وسلم قال لوفد ثقيف : « الإِيمان مكمل فى القلوب زيادته ونقصه كفر » لا يصح لضعف سنده جدا ، ولو صح لكان المعنى الزيادة فيه من غيره بما ليس شرعا ، والنقص منه باختلاله كفر ، وحديث البخارى حجة على من يدعى أَن القول قد يكفى عن العمل ، أَما من تاب أَو أَسلم ومات قبل العمل فلا إِشكال فى قبوله ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ ﴾ لا على غيره ﴿ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ذكر للموصول ثلاث صلات ، وجل القلوب عند ذكر الله عز وجل ، وزيادة الإِيمان إِذا تليت آياته ، والتوكل عليه . وذكر موصولا آخر بصلتين فى قوله ﴿ الَّذِينَ ﴾ نعت للمؤمنين ﴿ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ الواجبة والنافلة ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ فى الطاعة واجبا ونفلا . قرن الله تعالى الإِيمان وعمل الصالحات كما فى الآية قبل هذه ، وقوله : ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ والزكاة والصلاة ، والصلاة والإِنفاق ، فى هذه الآية ، وقوله تعالى ﴿ أَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وطاعة الرسول كما فى قوله عز وجل « وأَطيعوا الله وأَطيعوا الرسول » وطاعة الله والإِحسان إِلى الوالدين فى قوله تعالى
﴿ وقضى ربك أَلا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين إِحسانا ﴾ وأَخبر عن هؤلاءِ الصفات بقوله :
﴿ أُولَئِك ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ مصدر مؤكد لغيره ، كقولك : هو ولى الله حقا ، أَى حق ذلك حقا . . أَو نعت مصدر أَى إِيمانا حقا ، ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ كثيرة لا قليلة ، عظام ، حسيات ومعقولات ، من علو الشأْن ، قال صلى الله عليه وسلم : « فى الجنة مائة درجة لو أَن العالمين اجتمعوا فى إِحداهن لوسعتهم » رواه أَبو هريرة ، وعن أَنس « سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة » ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فى اللوح المحفوظ ، وفى علمه ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ بسبب الصلاة ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ فى الجنة بسبب الإِنفاق وكرمه ، بعظمه وكثرة أَفراده ودوامه ، ويجوز أَن يكون الذين مبتدأ خبره أَولئك هم المؤمنون ، وجملة ﴿ لهم درجات ﴾ خبر ثان .