تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة التوبة

الجزء التوبة · صفحة ٠
[سورة التوبة — آية 65]

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ﴾ والله لئن سأَلتهم ، سؤَال تقرير عن استهزائهم بك وبالقرآن إِذ قالوا فى سيرهم معك إِلى تبوك : انظروا إِلى هذا الرجل يريد أَن يفنح حصون الشام والروم وقصورها ، هيهات ، هيهات وقالوا : أَيزعم محمد أَنه نزل فى أَصحابنا قرآن وإِنما هو كلامه . فأَخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما قالوا فقال هل قلتم كذا وكذا فقالوا : إنا كنا نخوض ونلعب ، كما قال الله عز وجل ﴿ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ﴾ ليخف علينا السير ومشاق السفر ولا تكذيب فى قلوبنا ، وأَصل الخوض المشى فى مائع أَو مبلول كماءٍ وطين وتلطيخ سواءٌ أَكان فيه أَذى أَم لا ، ثم استعمل لكل دخول فيما يكره أَو يحرم ، ويبعد أَن يراد بالسؤال القول بدون صيغة استفهام بمعنى قلتم كذا وكذا لأَنه خلاف الظاهر ، والسؤال قبل نزول الآية ، فهم صلى الله عليه وسلم من قوله عز وجل ﴿ ولئن سأَلتهم ﴾ الأَمر بالسؤَال ضمناً فسأَلهم : هل قلتم كذا؟ فقالوا : كنا نخوض ونلعب ، فنزل بعد ذلك قوله عز وجل ﴿ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ لأَنه لو سأَلهم قبل نزول الآية لا يقال إِن سأَلتهم ، اللهم إِلا أَن يقال أَن إِن بمعنى إِذا على معنى التجدد ، وأَن ذلك عادتهم وحكمة التعبير بها عن إِذا تلويح بأَن جوابهم قبيح ينبغى أَن لا يكون حتى أَن العاقل يشك هل وقع ، وهل وقع السؤَال عنه ، فجىءَ بإِن التى لا تدل على الوقوع ولا على عدمه لا بإِذا التحقيقية وكأَنه لم يقع سؤال فقيل : إِن وقع وقدم بالله ورسوله للفاصلة وعلى طريق الاهتمام والتعظيم ، وللحذر وليلى أَداة الاستفهام الإِنكارى ما به تعلق الإِنكار وهو الله وما بعده لا مطلق الاستهزاءِ . والمعنى أَيحسن بكم أَن لا تكون همتكم إِلا الاستهزاءُ بالله ورسوله على طريق قصر القلب ، أَى يجب عليكم أَن تستهزئُوا بالباطل ولا تستهزئُوا بالحق ، فصح الحصر ، لا كما قيل لا يصح ، والاستفهام توبيخ وإِنكار للياقة وآياته القرآن ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ووجه ذلك أَن القرآن صريح فى قدرة الله على كل شىءٍ ، فتح الروم وغيره ، وفى نصهر صلى الله عليه وسلم ، وأَنكروا ذلك ، وقولهم : إِنا كنا إِلخ تصديق لقوله تعالى : ليقولن ، فهو معجزة ، والإِخبار بما قالوا معجزة كما أَن فتح فارس والروم يكون تصديقاً لإِخباره وإِعجازاً كما روى أَنهم قالوا : ما أَبعد محمداً عن فتح الروم!! وروى أَن اثنين يستهزئان بالقرآن والرسول والثالث يضحك وأَسلم بعد ، وروى عن عبدالله ابن عمر أَنه قال رجل فى غزوة تبوك : ما رأَيت مثل قرائنا هؤلاءِ أَرغب بطونا ولا أَكذب أَلسنة ولا أَجبن عند اللقاءِ ، فقال رجلك كذبت ولكنك منافق ، لأَخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن ، وروى أَن القرآن نزل فى ذلك قبل بلوغ المخبر إِليه صلى الله عليه وسلم ، قال فأَنا رأَيت الرجل يتعلق بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول : يا رسول الله إِنا كنا نخوض ونلعب .

١٬٣٠٠ / ٦٬٢٣٦