سورة التوبة
الجزء التوبة · صفحة ٠﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ ﴾ أَى نبى كان فأَلْ للجنس كما يدل له وما كان استغفار إِبراهيم إِلخ ، فإِنه رد للنقض بمن تقدم فيدخل النبى محمد صلى الله عليه وسلم بالأَولى ، أَو هو مراد ولو كان من قبله كذلك ، ويدل له ما روى كثير منهم البخارى ومسلم أَنه لما احتضر أَبو طالب قال صلى الله عليه وسلم : « أَى عم قل كلمة أَحاج بها عند الله » وقال له أَبو جهل وعبدالله بن أَبى أُمية : يا أَبا طالب ، أَترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فأَعاد صلى الله عليه وسلم وأَعاد أَبو جهل وعبداله فقالا : إِنه على ملة الأَشياخ . فقال صلى الله عليه وسلم : « لا أَزال أَستغفر لك ما لم أَنه عنه » فنزلت الآية ، أَى والتى بعدها ، وفى رواية : قل لا إِله إِلا الله كلمة أَحاج لك بها ، والمراد مع قول محمد رسول الله ، وسبب الاختصار أَنهم أَهل أَصنام ، فإِذا قالوا لا إِله إِلا الله فقد صدقوا بأَنه رسول الله آتٍ لرفض الأَصنام . وروى أَنه مات فأَخبر علىٌّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ، فقال : اذهب فاغسله وكفنه وواره ، غفر الله له ورحمه . وفعلت ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل ﴿ ما كان للنبى ﴾ وروى أَنه لما احتضر وأَلح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِيمان قال : لولا خوف السب عليك وعلى بنى أَبيك من بعدى وأَن تتهمنى قريش بالجزع من الموت لقلتها ولا أَقولها إِلا لأَسرك بها ، وضعف ما روى عن العباس أَن أَصغى إِلى أَبى طالب بأُذنه وهو يحرك شفتيه فقال : يا ابن أَخى لقد قالها ، فقال صلى الله عيه وسلم : « لم أَسمع » ولما كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لأَبى طالب ، استغفر المؤمنون لموتاهم حتى نزلت الآية ، وروى أَنه زار أُمه بالأَبواءِ حين رجع من فتح مكة وقام باكياً فقال : « إِنى استأْذنت ربى فى زيارة قبر أُمى فأَذن لى ، واستأْذنت فى الاستغفار لها فلم يأْذن لى ، وأَنزل على : ما كان للنبى » ، حتى قرأَ لأَواه حليم ، والأَبواءُ جبل بين مكة والمدينة ، وعنده بلدة بفتح الهمزة وبالمد . وعن أَبى هريرة : أَتى صلى الله عليه وسلم قبر أُمه فبكى وأَبكى من حوله ، فقال أَذن لى ربى فى زيارة قبر أُمى هذا ، ولم يأْذن لى فى الاستغفار لها ، وعن ابن مسعود أَن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أَتى المقابر فناجى قبراً مدة طويله ثم بكى فبكينا لبكائِه ، فصلى ركعتين فدعا عمر ودعانا فقال : « ما أَبكاكم؟ » فقلنا : بكينا لبكائِك .
فقال : « هذا قبر أُمى آمنة ، أَذن لى ربى فى زيارتها ومنعنى من الاستغفار لها » وفى رواية لمسلم : « استأْذنت ربى أَن أَستغفر لأُمى فلم يأْذن لى ، واستأْذنت أَن أَزور قبرها فأَذن لى . » قال بعض شراحه : رأَى قبرها عام الحديبية فبكى وأَبكى من حوله ، وروى : زار قبرها حين الفتح فى أَلف مقنع . زارت أَخوالها بالمدينة ومعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين ، ولما رجعت ماتت بالأَبواءِ ، ثم إِن السورة مدنية ولعلها آخر سورة نزلت ، وأَبو طالب مات قبل الهجرة بثلاث سنين ، فكيف يكون سبب نزول الآية قوله : لا أَزال أَستغفر لك إِلخ ، فلعله كان يستغفر له من ذلك إِلى أَن نزلت الآية بالمدينة وكان المؤمنون كذلك كما قال . ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وذلك بعيد ، وكل ما جاز للنبى يجوز لأُمته حتى يقوم دليل التخصيص ، وكذلك التحريم ﴿ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِى قُرْبَى ﴾ أَى لو لم يكونوا ذوى قربى ، ولو كانوا أُولى قربى فالعطف على محذوف ، وبعض يجعل الواو للحال فى مثل هذا ، فيكون ما يقدر بالعطف فى الإِعراب الأَول مفهوماً بالأُولى ، ومعنى الاستغفار أَن يطلبوا لهم مغفرة الذنوب ، وفى قولك اللهم اهد المشرك أَو الفاسق مشهور المذهب المنع لأَنه ولاية وفيه قول بالجواز ، لأَنه صلى الله عليه وسلم يقول « اللهم اهد قومى » ولا دليل على الخصوصية وقد يبحث بأَن معنى لأَستغفرن لك ما لم أُنه ، لأَطلبن توفيقك . فنفسر الآية بطلب التوفيق ، فإِذا نهى عنه بالآية فقد نهى عن طلب الهداية ، إِذ طلب الهداية هو طلب التوفيق ، ويبحث بأَنه لا يتصور طلب توفيق من مات على غير توفيق ، وأَما الحى فيتصور ما لم ينزل من الله جل جلاله أَنه شقى كما قال . ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ ﴾ لَهُمْ بالموت على الكفر أَو بالوحى مثل أَنه لن يؤمن من قومك إِلا من قد آمن . ﴿ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ فما داموا أَحياءً لم يمنع طلب الاستغفار أَو التوفيق وهذا ظاهر الآية ، وقواعد المذهب لم توافقه ، الجواب أَن التبيين لا يختص بالموت أَو الوحى بل بالجزم بأَنه كافر ولو كان حياً ، فإِذا تحقق الكفر لم يجز الاستغفار له .