تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة التوبة

الجزء التوبة · صفحة ٠
[سورة التوبة — آية 115]

﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ ﴾ إِذ قال لأَستغفرن لك ، سأَستغفر لك ربى ﴿ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا ﴾ إِبراهيم ﴿ إِيَّاهُ ﴾ أَبَاه فهى مخصوصة بإِبراهيم لا يجوز ذلك لغيره ، ولم يعده الله لغيره ، فذلك نفس مذهبنا ، وزعم بعض أَنه يجوز عود ضمير وعد لأَبى إِبراهيم وإياه ضمير إِبراهيم ، وأَنه وعد لابنه إِبراهيم أَن يسلم فاستغفر له لوعده ، وهذا لا يجوز الآن . ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ بالوحى بأَنه لا يؤْمن أَو بالموت على الكفر وأَما بدونهما فالتوبة محتملة ، . ﴿ أَنَّهُ عَدُوُّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ قطع على الاستغفار ، وأَما غير إِبراهيم فيبرأُ من الكافر عند الجزم بكفره لا ينتظر موتاً ولا غيره ، فكن أَنت يا محمد لا تستغفر لكافر بعد الجزم بكفره ، ولا تنتظر موتاً ولا غيره ، والتقييد بالموت ونحوه مخصوص بإِبراهيم والعدة مخصوصة به ، وذلك نفس مذهبنا ، وسائِر الآيات الآمرة ببغض الكافر وإِقصائِه وبراءَته أدلة لنا كيف يجتمع بغضنا له وإِقصاؤُه والاستغفار له . لا والله فإِنه تناقض ، وبقى طلب الهداية فأُجيزت فى قول وقد تقاس على الاستغفار فتكون الآية نهياً له صلى الله عليه وسلم عنها أَيضاً ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ ﴾ كثير التأُوه وهو قول أُوه أُوه تضرعاً ودعاءً لفرط ترحمه ورقة قلبه كلما ذكر أَمراً من الآخرة أَو تقصيراً ما أَشفق . وفى الحديث : الأَواه الخاشع المتضرع فالتأَوه شامل للخشوع وكثرة الدعاءِ والتوبة والرحمة والإِيقان وكثرة التذكر والتسبيح والتعليم والرجوع عما يكره وتعلق القلب بالله تعالى ﴿ حَلِيمٌ ﴾ صبور على الأَذى لا ينقم ولا يحقد ، بل يجازى السوءَ بالخير كما قال لأَبيه : سأَستغفر لك ربى فإِذا قال لأَرجمنك ، وإِذا آذاه أَحد قال : هداك الله ، وبتلك السيرة فسر الحلم ، وهذه الآية بيان لما حمله على الاستغفار له ، وليس فيكم ما فيه من الرأْفة حتى يباح لكم ما أُبيح له مما وعد له وعدا فقط ، والنبى صلى الله عليه وسلم ولو كان أَرأَف منه لكن حمله الله وأُمته على طريق واحد ، وكانوا يستغفرون لموتاهم المشركين ، ولما نزل المنع خافوا العقاب عما صدر منهم قبل المنع أَو بعده وقيل وصول الخبر فنزل :

﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ﴾ أَى لينسبهم إِلى الضلال فيعاقبهم أَو ما كان الله ليعاقبهم عقاب الذين ضلوا ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾ بعد وقت هدايتهم إِلى الإِسلام لا ما قيل أَن إِذ بمعنى أَن المصدرية . ﴿ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ فإِذا بينه لهم فلم يتركوه سماهم ضالين ، وعاقبهم . والمعتبر عموم معنى اللفظ ولو خص سببه فشملت الآية من شرب الخمر ومات قبل تحريمها ومن شربها بعد تحريمها وقبل وصول الخبر إِليه ، ومن صلى إِلى المقدس ومات قبل التحول ومن صلى إِليه بعد التحول وقبل وصول الخبر إِليه ، وفى كل مرتكب محرم قبل نزوله أَو بعده وقبل وصول الخبر ، وقد قيل : نزلت فى هذه الأَشياءِ كلها ﴿ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فهو عالم بأَنك غافلون لم يبلغكم الوحى نزل أَو لم ينزل .

١٬٣٥٠ / ٦٬٢٣٦