تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة هود

الجزء هود · صفحة ٠
[سورة هود — آية 91]

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفَقَهُ كَثِيراً مِمَّا تقُولُ ﴾ لأَنه هذيان لا يفهم ، ما نعلم أَنه حق أَو ما نعلم حجته ، وذلك كتحريم عبادة غير الله وتحريم البخس فى الكيل والوزن ، أَو قالوا ذلك احتقارا له كما تقول لغيرك ما أَدرى ما تقول وأَنت فاهم له لكن تريد عدم قبوله حتى كأنك لم تفهمه ، وهو إِخبار لفظا ومعنى لا لفظا فقط ، إِنشاء معنى كما قيل ، وهو كناية أَو استعارة تمثيلية ، أَو المراد أَنهم لم يفهموا معنى ما قال لشدة نفرتهم عنه مع أنه فصيح عالم بطرق الخطاب المؤثرة فى السامع ، وفهموا الكثير الآخر مما يقول مما لا ينفرون عنه ، وهو خطيب الأَنبياء ، فلا يصح ما قيل أَنهم قالوا ذلك لأَنه أَلثغ ، والحاصل أَنه لا وجه لدعوى أَنه أَلثغ بلا دليل مع أَن شأْن الكفرة أَن يقولوا مثل ذلك لكل ما جاءَ به ، ولو أَفضح الفصحاءِ ومع أَن شَأْن الأَنبياءِ أن يكونوا سالمين من منفر ولو جاز بعد التبيلغ ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ عاجزا أعمى ذليلا لا قوم لك يمنونك عما نريد من مضرتك أَن نردها ، وهذا المعنى لعمومه أَولى من حمل الضعف على بعض معانيه اليمن وهو العمى كما يقال للأَعمى ضرير ، يقال له ضعيف عندهم ، وأَما ما قيل من أَنه لا يصح تفسيره بالعمى وحده ولا بالعمى مع غيره لأَن قولهم فينا لا يناسبه لأَن الأَعمى أَعمى فيهم وفى غيرهم ، وضعيف فيهم وفى غيرهم فلا يصح لأَن المرا إنا لا نعتبرك فيم بيننا لضعفك بالعمى أَو به وبغيره ، وبأَنا لنا مثلك بل أقوى وتريد العزة فينا ولا عزة لك فينا والحاصل أنك لا تقاومنا ، ومشهور المذهب أن الأعمى لا يكون نبيا ، والجواب أنه حدث إليه العمى بعد الوحى والبعثة كما ابيضت عينا يعقوب بعد الوحى والبعثة ، وروى أ ، ه بكى من حب الله تعالى حتى عمى فرد الله عليه بصره وأوحى إليه : يا شعيب ما هذا البكاءُ؟ أَشوقا إلى الجنة أَو خوفا من النار؟ فقال : لا لكن لحبك ، ورضيت بكل ما تصنع بى فقال الله تعالى : هنيئاً لك يا شعيب ، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمى ، وكذا قال جمهور قومنا : لا يكون الأَعمى نبيا ، وأَجازه بعضهم كالقاضى ، ومنعه بعض المعتزلة قياسا على القضاءِ والشهادة ، وفيه أن القضاء والشهادة يحتاجان إلى تمييز من يقضى له أو عليه أو يشهد له أو عليه ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ ناسك القليلون الثلاثة إلى العشرة أو الثلاثة إلى التسعة أَو إلى السبعة أو إلى الأَربعين أقوال ، فإما أن يكون قومه على شىءٍ من ذلك ، وإِما أَن يكون المراد التقليل ، ولو كانوا أكثر من العشرة احترموا قومه ، ولو قلوا لأنهم على دينهم لا لكثرتهم أَو شدته لعدمها ، ولا يطلق الرهط على النساءِ ﴿ لَرَجَمْناكَ ﴾ بالحجارة حتى تموت ، والقتل بالحجارة من أَسوإِ قتل أَو الرجم استعارة تشبيها للقتل بأَصعب الوجوه بالقتل بالحجارة ، كالقرض بالمقاريض أو كناية عن ذلك أَو استعارة للشتم والإغلاظ فى القول كقوله تعالى : لأَرجمنك واهجرنى مليا ، أَو أُريد بالرجم الإخراج من أرضهم والوجه الأَول أَولى لأَنه أَظهر ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ بغالب أَو بذى شأْن واحترام فيمنعنا ذلك عن رجمك ، وإنما العزة عندنا لقومك لهم شأْن عندنا مع قلتهم واحترام قائِم مقام الغلبة ولو لم تكن لهم غلبة ولعزتهم لم نرجمك كما قال

﴿ قالَ يَا قَومِ أَرهْطِى ﴾ إنكار وتوبيخ ﴿ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ ﴾ من جانب الله أو دين الله أَو نبى الله ﴿ وَاتَّخَذتُمُوهُ ﴾ أى الله ﴿ وَرَأءَكُمْ ظِهْرِيَّا ﴾ قيل المعنى إن العزيز قومك لا أَنت لكونهم فى ديننا ، ولهذا الحصر ، ولولا أن العبارة للحصر لم يجبهم بقوله : أَرهطى إلخ ، وكان الجواب باسم التفضيل لأَن لله العزة عندهم وإن لم تكن عندهم فالآية كقول على لأَن أَصوم يوما من شعبان أَحب إِلى من أَن أُفطر يوما من رمضان ، ولا حب له فى إفطار يوم من رمضان ، وكقول غيره لأَن أُفطر يوما من رمضان أَحب إِلى من أَن أَصوم يوما من شعبان ، والمعنى لو كان كذا محبوبا كان كذا أَحب ، أَو كقولهم العسل أَحلى من الخل أَو الخل أمر من العسل ، والصيف أَحر من الشتاء والشتاءُ أَبرد من الصيف ، بمعنى أَن كذا فى صفته أَشد من كذا فى صفته ولم يقل أَعز عليكم منى ، لأَنه لا عزة له عندهم فلا يصح ما قيل من أَن التقدير أَعز عليكم من نبى الله ، والظهرى بكسر الظاءِ من شذوذ النسب كإِمسى بالكسر ودهرى بالضم نسب إِلى أَمس ودهر ، والأَصل فى الكل الفتح ، الشىءُ المنبوذ وراءَ الظهر ، يقول : الواجب عليكم أَن تراعوا حق الله وحقى بالنسبة إليه بالرسالة وبالنسة إلى الرهط بالرحم كذا قيل ، وفيه أَنه قد احترموه لرهطه فلم يرجموه ، ويجاب أَنه أَراد أَن يحترموه لله تعالى و للرحم ، والكلام استعارة تمثيلية وعن مجاهد الهاء للشرع المفهوم من المقام ، وعن الزجاج لأَمر الله تعالى ويكفى عن القولين قولنا الهاءُ لله تعالى ، وقيل الضمير لله تعالى والظهرى المعين والجملة حال على تقدير قد أَو دونه والمعى والحال أَنكم تتخذونه معتمدكم ، وهذا على فرض أَنهم اتخذوه معتمدا ، وفى هذا الوجه من الحالة يجوز تقدير مضاف والمعنى واتخذتم عصيان الله معينا فى عداواتى وكذا أُجيز عود الهاءِ للعصيان المعلوم من المقام فيتحد المعنى ، والصحيح ما مر ، والعطف على الاسمية جائز ﴿ إِنَّ رَبىَّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ عالم به كله فلا يفوته عقابكم .

١٬٥٦٤ / ٦٬٢٣٦