تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة يوسف

الجزء يوسف · صفحة ٠
[سورة يوسف — آية 18]

﴿ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كِذبٍ ﴾ أَى ذى كذب على أَنه مصدر ، أَو بدم كاذب جدا على أَنه صفة مبالغة أَو صفة للنسب ، أًو وصف بأَنه نفس الكذب مبالغة ، وعلى قميصه حال دم أَجاز بعض تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف ولو كان الحرف غير زائِد ، وأَجاز بعض بشرط أَن يكون الحال ظرفاً كما هنا ، ولا يتعلق بجاءُوا لأَن المجىءَ ليس على القميص؛ إِنما يقال : جاءَ على الفرس مثلا ، وذكر بعض أَنه لا بأْس بذلك ، وأَن المعنى أَتوا به فوق القميص ، وهو تخيل لا يصح؛ فإِنه فى هذه العبارة للحال لأَنهم لم يمشوا فوق القميص حقيقة ولا مجازا ، ويجوز أَن يتعلق بجاءُوا على معنى استووا ، ومعنى كذبه أَنه ليس دم يوسف مع أَنه دم تحقيقاً ، روى أَنهم ذبحوا سخلة ، وقيل : ظبيا ولطخوا القميص بدمها وقالوا : هذا دم يوسف ، وذهلوا على أَن يخرقوا القميص أَو يثقبوه ، ولم يوفقوا فى كل حيلهم إِلى حيلة تصح فى النظر ، أَلا ترى كيف فتحوا باب الكذب فى قولهم : ﴿ وما أَنت بمؤْمن لنا ﴾ ولما جاءُوا بالقميص أَلقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص ، وقال إِنكاراً عليهم : وما رأَيت كاليوم ذئْباً أَحلم من هذا ، أَكل ابنى ولم يمزق عليه قميصه ، ويروى أنهم أَتوا بذئْب وقالوا هذا هو الذى أكله فقال يعقوب عليه السلام أَيها الذئْب أَنت أَكلت ولدى وثمرة فؤَادى؟ فأنطقه الله - عز وجل - وأَفهمه فقال : والله ما أكلت ولدك ولا رأيته قط ، ولا يحل لنا أَن نأْكل لحوم الأَنبياء ، فقال له : وكيف وقعت فى أَرض كنعان؟ فقال : جئْت لصلة الرحم ، وهى قرابة لى فأَخذونى وأَتوا بى إٍليك ، فأَطلقه يعقوب ، وفيه وعظ لهم فى قطع الرحم ، وهم عقلاءُ ، وقد وصلها الذئْب من بعيد ، والذين توهم أَنهم أَنبياءُ ، أَو أَراد لحوم أَولاد الأَنبياءَ ، أَو لحوم الأَنبياء يوسف ، والأَنبياء قبله أَو بعده ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ زينت أَو سهلت من التسويل بمعنى جعل اشىءِ مسترخياً ، أَو تقدير الشىءِ فى النفس مع الطمع فى إِتمامه والحرص ﴿ أَمْراً ﴾ عظيماً وهونتموه لم يأْكله الذئْب ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أَى قأَمرى صبر جميل ، أَو فصبر جميل أمرى ، أَو فصبر جميل أَجمل ، أَو فالذى أفعله صبر جميل ، أَو على صبر جميل ، وفى الحديث : « الصبر الجميل الذى لا شكوى فيه » ، أى لأَحد غير الله ولا جزع ، وأَما إَلى الله على التضرع فجائِز ولو بلغ من الصبر أن لا يشكو إٍليه - عز وجل - وِإى أَن يفرج به لكان أَولى ، ومراده يعقوب أَن لا يشكو لأًحد ، لا أَن يشكو ولو إٍلى الله لقوله : فكان يرفعهما بعصابة ، فقال له جبريل أو غيره ، ما هذا؟ فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأًوحى الله - عز وجل - إليه : يا يعقوب أَتشكو فقال : يا ربى خطيئَة فاغفرها لى ، وروى أنه لما قال :

﴿ إِنما أَشكو بثى وحزنى إِلى الله ﴾ قال له جبريل عليه السلام : ربك أَعلم بك ﴿ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ ﴾ المطلوب منه الإِعانة ﴿ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ على تحمل ما تصفون ، على ما تصفونه من موت يوسف ، أًو على وصفكم لموته ، وذلك أنه جزع بتصور وصفهم لا بتحقيقه؛ لأَنه غير متحقق ، وإٍنما جزع بتصوره لأَنه يتضمن تفريقاً بينه وبين يوسف ، والوصف تارة كاذب كما فى الآية ، وفى قوله : ﴿ سبحَان ربك ﴾ إلخ ، وتارة صادق ، ومعنى استعانته بالله - عز وجل - إِظهار كذبهم كما قال بعد قوله بعد : ﴿ فصبر جميل عسى الله أَن يأتينى بهم جميعاً ﴾ وقيل : الاستعانة عل تحمل ما تصفون من موته .

١٬٦١٤ / ٦٬٢٣٦