سورة البقرة
الجزء البقرة · صفحة ٠﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ﴾ علمان بالغلبة على جبلين بمكة ، فإن الصفا جمع صفاة فى الأصل ، وهى الصخرة الصلبة الملساء ، أو الحجر الذى لا يخالطه طين أو تراب متحجر ، أو ضعف ، مأخوذ من الصفوة ، وهى الخلوص . والمروة فى الأصل الحجر اللين ، أو الأبيض البراق ، أو الأسود البراق ، أو المحددة الأطراف ، أو الصلبة ، قيل : سمى الصفا لوقوف صفّى الله آدم عليه السلام عليه ، وذكر لذلك ، وسميت المروة لوقوف المراة عليه ، وهى حواء ، وأنث لذلك ، ولا يقال فيه ، إن مادة المروة غير مادة المرأة ، لأن المراد بتأنيثه أنه قرن بالتاء ، كما أن المراد بتذكير الصفا أنه لم يقرن بها ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ ﴾ أى علاماته ، أى علامات دينه ، أو المواضع التى يقام فيها دينه ، وهى مواضع الحج كالمطاف وعرفة والمزدلفة ومنى ، أو من علاماته التى تعبَّد خلقه بها ، فهما يسعى بينهما ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ ﴾ قصده ليقف بعرفة ، ويبيت بالمزدلفة ، ويرمى ويحلق ويطوف ويسعى ﴿ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾ زار البيت ليطوف ويسعى ، وأصل الحج القصد مطلقا ، أو إلى معظَّم ، والعمرة الزيارة أخذاً من العمارة ، والزائر يعمر المكان بزيارته ﴿ فَلاَ جُنَاحَ ﴾ لا إثم ، وأصله الميل مطلقا ، سمى به الذنب لأنه ميل عن الحق ﴿ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ ﴾ فى أن يتطوف ﴿ بِهِمَا ﴾ بينهما ، كما زعم المسلمون قبل نزول الآية ، أنه لا يجوز السعى بينهما ، لأنه كان فوق كل منهما صنم ، يمسهما المشركون بأيديهم ، ويمسحون بهما وجوههم ، ويعظمونهما ، فكرهوا أن يشبه سعيهم ، ولو كانوا لا يمسحونهما لا يعظمونهما سعى المشركين المعظمين لهما الماسحين ، أحدهما إساف بكسر الهمزة ، والآخر نائلة ، صنمين من أول ، ورجح هذا ، وقيل ، كانا رجلا وامرأة زنيا فى الكعبة فمسخهما الله وجعلهما الناس على الجبلين ، ليعتبر بهما ، فطالت المدة ، فعبدا من دون الله ، ونسب هذا القول لأهل الكتاب ، وقيل : واضعهما على الجبلين عمرو بن لحى ، وهو أول من سن عبادة الأصنام من عرب مكة ، والباء للإلصاق المجازى ، والطواف بهما واجب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله كتب عليكم السعى ، فاسعوا » وأما قول عائشة رضى الله عنها ، لعمرى ، ما أتم الله تعالى حجد من لم يسع ، فمعناه حج ناقص لا باطل ، فالطواف بهما واجب ، لا يبطل الحج والعمرة بتركه ، كما روى ، أن عروة بن مضرس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة ، فقال ، يا رسول الله ، جئت من جبل طيء ما تركت جبلا إلا وقفت عليه فهل لى من حج؟ فقال : من صلى معنا هذه الصلاة ، ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ، ليلا أو نهاراً ، فقد أتم حجة وقضى تفثه ، فأخبره صل الله عليه وسلم بإدراك الحج بلا ذكر للسعى بيهما ، ولو كان واجباً يبطل الحج بتركه لبينه له ، لأنه سائل جاهل ، ولا حجة فيه لمن قال بأنه غير واجب لأحاديث الوجوب ، وهذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة ، وإن لم يسع لزمته شاة ، وقيل ، بدنة ، وقال مالك والشافعى ، يبطل الحج بتركه للحديث ، وقال أحمد ، سنة غير واجبة ، ويرده الحديث ، وأجيب بأنه يجوز كون كتب بمعنى استحب كقوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين .
. . قلت ، الوصية للوالدين كانت واجبة . ثم نسخت بالميراث ، وكذا القرابة الوارثون فلا يصح تأويل كتب باستحب ولا حجة أيضاً فى قراءة ابن مسعود ، ألا يطوف لأنها شاذة مخالفة للجمهور ، لفظا وعملا ، بل لم نر من عمل بها ، فيقرب تأويلها بزيادة لا ، ولنا الحديث دليل للوجوب ، ولا دليل للشافعى ومالك على أنه ركن يبطل الحج بتركه ، ولا يقال ، تم الكلام فى جناح واستنأنف أن عليه التطوف ، لأنه لا يتوهم أحد أن فى الحج والعمرة جناحا إلا أن يقال إنهم توهموا الجناح فى الحج والعمرة ، لأن فيهما الطواف بين محلى الصنمين ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ عالج الطاعة بفعل فرض أو سنة ، أو نفل من حج أو عمرة أو طواف ، أو صلاة ، أو غير ذلك ، وذلك أصل التطوع فى اللغة ، وأما تخصيصه بالنفل فهو فى عرف الاصطلاح ، قيل ، والشرع ، وكأنه قيل ، ومن فعل خيراً ، أو زاد خيراً أو تطوع بخير ، وليس المراد من تطوع بالطواف بينهما ، كما قيل لأحاديث وجوبه ﴿ فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ ﴾ أى يثيبه ثواباً عظيماً ، أو مثن عليه عند الملائكة ، لأن الله شاكر ، أو هذه علة وبرهان عظيم ، أو من تطوع خيراً فإن الله شاكره ، أى مثيبه أو مثن عليه فى ملأ خير من ملئه وفى التعبير بشكره تعالى له من الإثابة أو الإثناء مبالغة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بتطوعه وبكل شىء ، أو بكل شىء ، فيكون برهانا للعلم بتطوعه .