تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة يوسف

الجزء يوسف · صفحة ٠
[سورة يوسف — آية 75]

﴿ قَالُوا ﴾ أَى إِخوى يوسف ﴿ جَزَاؤُهُ ﴾ والجملة خبر جزاؤه والرابط كونها نفس المبتدإِ فى المعنى وإعادته بلفظه أَيضاً ، أَو من موصولة أَحد فهو جزاؤُهن أَى فالاسترقاق جزاؤُه ، أَو جزاءُه بمعنى ما يجازى به والمجموع تأْكيد لما قبل مقرون بالفاءِ كأَحد الأَوجه فى قوله تعالى ﴿ إياى فارهبون ﴾ حكموا شرعهم فى أَن السارق عبد للمسروق منه ، وأَعاد الظاهر موضع ، ولم يقل فهو هو للإيضاح ، والعرب إِذا فخمت شيئاً أَعادته بعينه ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ ﴾ وتقدم الكلام فى مثل هذا التشبيه ، والمراد بالظلم السرقة لأَنها المذكورة هنا ، ولأَن الاسترقاق جزاءُ لها لا لغيرها ، ﴿ فَبَدَأَ ﴾ المؤَذن ﴿ بِأَوْعِيَتِهِمْ ﴾ أَوعيه إِخوة يوسف من جملة القافلة ، وقيل الضمير فى بدأَ ليوسف لقوله : ﴿ ثم استخرجها من وعاءِ أخيه ﴾ لأَن الأَخ أَخ ليوسف لا للمؤَذن ، وليس كذلك فإِِن الهاءَ ليوسف قطعاً لكن لا مانع من رد ضمير بدأَ للمؤَذن مع رد الهاءِ للأَخ ، فإ ، الكلام قيل للمؤَذن تارة ، وله مع من معه أُخرى وهو المقصود بالذات ، فضمير بدأَ له لا ليوسف ، وأَيضاً البدءُ للمؤَذن حقيق وليوسف مجاز ، إِذ لا يباشر البدءَ ، وكذا الاستخراج ، والحقيقة أَولى من المجاز ، وعلى القول برده إِلى يوسف يكون التفتيش بردهم إِلى مصر ، ولعى كل العطف على محذوف تقديره أَرادوا التفتيش ، أَو أُريد التفتيش ، أَو ردوا إِلى مصر فبدأَ تفتيش أَوعيتهم ، والهاءُ لغير بنيامين من إِخوة يوسف لقوله : ﴿ قَبْلَ وِعَاءٍ أَخِيهِ ﴾ وهو تأْكيد لما فهم من قوله فبدأَ بَأَوعيتهم وبيان لكون الضمير لإِخوة بنيامين ، ولا مانع من إعتبار أَهل الرفقة كلهم فى التفتيش فبدأَ منهم بإِخوة يوسف ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾ بنيامين زيادة فى الإخفاءِ ، ولو بدأَ به لتوهم الاتفاق ، وهذا على أَن المؤَذن عالم بالوضع أَو المفتش يوسف ، لما أَقر إِخوة يوسف بأَن السارق يسترقه صاحب المال فى شرعهم ، قال المؤَذن ومن معه لا بد أَن تفتشوا واحداً بعد واحد ، ولا يقبل ما قيل من أَن يوسف لا ينظر فى رجل أَحدهم إِلا استغفر الله - عز وجل - مما قذفهم به لأَنه غير قاذف حتى لم يبق إِلا بنيامين ، قال ما أَظن هذا أَخذ شيئاً ، وصدق أًنه لم يأْخذ لأَنه ليس آخذاً للصواع بل جعله فى رحله غيره ، قال إِخوة يوسف : والله لا نتركك حتى تنظر فى حله فإِنه أَطيب لنفسك وأَنفسنا ففتح فوجد فيه ، وهاءُ استخرجها عائِد إِلى الصواع ، لأَنه يذكر ويؤَنث ، أَو يذكر لكن أَنث هنا لتأْويل لاسقاية المجعولة فى رحله التى ذكرت فى قولنا جعل السقاية فى رحل أَخيه ، ورد بعضهم الضمير إِلى السرقة ، وهو ضعيف لأَن إِيقاع الاستخراج عليها مجاز مستغنى عنه ، وإن أول بمعنى المسروق مجاز أَيضاً قال له إِخوته : كيف سرقت هذا يا ابن راحيل؟ فرفع رأْسه إلى السماءِ ، فقال : والله ما سرقت ، فقالوا : فمن جعلها فى رحلك؟ قال : الذى جعل البضاعة فى رحالكم ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا ﴾ احتلنا ﴿ لِيُوسُفَ ﴾ كدنا له مثل ذلك الكيد العظيم ، أَو شبه ما يفهم من معانى الألفاظ بما هو الواقع المتشخص فى نفس ، وهذا وجه غريب يستحضره فى مثل هذا المقام ، وكذا يجوز جعل الكاف صلة للتأْكيد ، ويجوز عود الإِشارة إلى حكم إِخوة يوسف باسترقاق السارق ، ولما أَخرجوا الصواع من رحله نكس إخوته رءُوسهم من الحياءِ ، وأَقبلوا عليه يلومونه ويقولون : فضحتنا وسودت وجوهنا يا ابن راحيل ، ما زال لنا منكم بلاءٌ حتى أَخذت هذا الصواع ، فقال : بل بنو راحيل ما زال عليهم بلاءٌ منكم ، ذهبتم بأَخى فأَهلكتموه فى البرية ، وضع هذا الصواع ، فى رحلى الذى وضع البضاعة فى رحالكم ، فاسترق بنيامين ، واللام للاستحقاق ، أَو بمعنى فى أَى فى شأْن يوسف أَو للتعليل ﴿ مَا كَانَ ﴾ يوسف ﴿ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ ﴾ بنيامين ﴿ فِى دِينِ ﴾ فى حكم ﴿ الْمَلِكِ ﴾ ملك مصر الريان مثلا بل دينه ضرب السارق وتغريمه ما سرق ، أَورده مع الضرب إن كان موجوداً لا استرقاق السارق ، وقيل : الضرب ومثلان للمسروق ، ويوسف فى ظاهر الأَمر هو من الملوك المتداولة على مصر من أَهلها ، فليس يعلم شرع يعقوب فى السرقة وهو فى الحقيقة عالم به ، وقد استرقته عمته إذ كان طفلا بدسها متاعاً فى لباسه ، ولذلك دس الصواع فيأْخذ من هو فى رحله ﴿ إِلاَّ أَن يَشَاءُ اللهُ ﴾ أَى إِلا بأَن يشاءُ الله أَلهمه سؤال إِخوته بنفسه وبواسطة المؤَذن ، ويشاء جوابهم بسنتهم ، ويجوز أَن يكون الاستثناءُ منقطعاً ، والمعنى لكن شاءَ الله أَخذه بغير دين الملك ، على أَن يوسف لم يعلم ذلك ، أَو علمه ويحسب كونه غير ولد يعقوب فى الظاهر لا يحكم بالأخذ ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ رفع درجته كيوسف على إخوته ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ لا عالم فى الخلق إلا وفوقه أَعلم منه ، الله أَعلم ممن انتهى إليه العلم منهم ، أَو فوق كل عالم من الخلق عالم هو الله - عز وجل - وعلمه ذاتى ، ومن زعم أَن علمه بصفة زائِدة على الذات حالة فيه أَو مفترقة به فقد شبه الله بخلقه إِذ عدَّد القدماءَ وجعله محتاجاً إِلى ما يعلم به أَو جعله محلا للصفة .

١٬٦٧١ / ٦٬٢٣٦