سورة الرعد
الجزء الرعد · صفحة ٠﴿ كذَلِكَ ﴾ مثل إرسال الرسل قبلك المدلول عليهم بقوله استهزىءَ برسل من قبلك ، وبقوله فى أُمة قد خلت ، وهو مفعول مطلق لقوله ﴿ أَرْسَلْناكَ ﴾ أَو المعنى كما هدى الله من أَناب ، أَو أَرسلنا ، أَو كما جرت العادةُ بالإِضلال والهداية أَرسلناك ، أَو يقدر الأَمر كذلك ﴿ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ برسلهم فليست رسالتك ببدع فكيف يقولون : البشر لا يكون نبياً ﴿ لِّتَتلُوا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْك ﴾ وهو القرآن ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ بالله الذى نعم الدنيا والآخرة صغيرها وكبيرها فى ملكه ، ولا سيما أَن منها القرآن ، وكفروا به ولم يشكروها ، قيل : أَو باسم الرحمن أنكروا أن يكون الله : ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ﴾ الآية ، سبب نزولها أَهل مكة لهذه الآية ولقول أَبى جهل لما سمع قوله صلى الله عليه وسلم : « يا الله يا رحمن » قال : محمد نهانا عن عبادة الآلهة ، وهو يدعو إلهين ، ونزلت الآية لذلك ، وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم والكفر باسمه تعالى أَو صفته أَو فعله كفر به ، والمتبادر أَن المراد بالرحمن الذات الواجب لا الاسم فالمراد كفر نعمة ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد ﴿ هُوَ ﴾ أَى الرحمن الذي أَنكرتم ذاته بإنكار صفاته أَو اسمه ، أَو أَنكرتم معرفته إِذ قلتم وما الرحمن ﴿ رَبِّى ﴾ مالكى ﴿ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ علَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فى نصرى ولك ما أُريد ﴿ وإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ مرجعى بالموت والبعث ، ومرجعكم بهما ، وذكر متابه فقط لأنهم مثله ، كما أرجع إليه ترجعون ، وطلب كفار مكة أن يزيل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبالهما لتتسع للحرث والغرس والبناءِ ، وأن يقطع الأرض بتفجيرها عيونا ، وإظهار معادنها أو بتخشيعها بتلاوة ما تتلوه عليها ، وبأن تكلم به الموتى بعد إِحيائِهم ، قصيا وغيره من آبائِنا ، فيتكلموا به مطلقاً ، أَو يتكلموا به ويصدقوك فنؤْمنم فنزل قوله تعالى :
﴿ وَلوْ أَنَّ قُرْآناً ﴾ بعضاً من القرآن كحرف أو كلمة أو جملة أو آية أو سورة أو أكثر ، وذلك أن بعض القرآن قرآن فكيف يؤْمنون إن لم تسر ولم تقطع أو لم تكلم الموتى ، أو فعلت ذلك بالقرآن كله ، أو المراد القرآن فينكر للعظيم ، أو المراد شيئاً يقرأُ كائِنا ما كان ﴿ سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ عن مقارها ، فلست بأَهون على ربك من داود وقد سخر له الجبال تسير معه ، وكذبوا وإنما سخرها تسبح معه ولو قالوا أَلانها له لصدقوا فى إلانتها ، وكما نقل الطور لموسى عن محله لمصالحنا ، جعلت قطعاً للأَنهار والحرث والغرس ، كما قطعت لموسى عيونا ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْموْتَى ﴾ كإحياء جدنا قصى فإن عيسى يحيى الموتى ، ولست أَهون على ربك منه ، ويروى أن جماعة من المشركين منهم أبو جهل وعبد الله بن أُمية : أَرسلوا إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأتاهم أو مر بهم ، فقال عبد الله بن أُمية : إن سرك أَن نؤمن بك فافعل ذلك ، وزيد : سخر الريح تجربنا إلى الشام لتجرنا وميرتنا ونرجع فى يومنا كسليمان ، ولست أهون منه عند ربك ، وجوب لو محذوف تقديره بعد الموتى لما آمنوا أَو لم يؤْمنوا كما قال :
﴿ ولو أَننا نزلنا إِليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىءٍ قبلا ما كانوا ليؤمنوا ﴾ إلخ ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً بخلاف تفسير التقطيع بالسير إلى الشام على الريح ن فإنه لا دليل عليه ، ولا يتبادر ، وسير سليمان على الريح يكون فوق الجبال وغيرها ، أو دليل الجواب قوله : ﴿ وهم يكفرون بالرحمن ﴾ وما بينهما معترض ، كأَنه قيل : أَو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن ، وعذاب شديد الرحمة أشد عذاب كما يقال : نعوذ بالله من غضب الحليم ، ويقال : نعوذ بالله من غضب الرحيم ، أَو يقدر لو أن شيئاً ما مما يقرأُ سيرت به الجبال أَو قطعت به الأرض أَو كلم به الموتى لكان هو هذا القرآن؛ لأَنه فى غاية الإعجاز والتأْثير ، لكن لا أَثر لشىءٍ إلا بإِذن الله - عز وجل - ، وأَو لمنع الخلو لا الجمع ، وقيل بمعنى الواو لأَنهم طلبوا ذلك كله لا بعضه ، والواو فى قوله : وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم ، ولو قيل : أَو كلمت لكن أَسقط التاءَ لأَنهم طلبوا أَجداداً ذكوراً عقلاءً فناسب اختيار إسقاطها لا لمجرد تغليب الذكور فى الموتى إذ لا أُنثى فى مطلوبهم ، وأيضاً الجبال ذكور بلا تغليب قرنت بالتاءِ وعدم العقل يعادله خلطة الإناث لو كن فلا تهم ، ويروى أَنه لما نزل ﴿ وأَنذر عشيرتك الأَقربين ﴾ صاح على أَبى قبيس : يا لآل عبد مناف إِنى نذير ، فقالوا : سخر الله تعالى الجبال والريح لسليمان والبحر لموسى والموتى لعيسى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال أربعة أَيام أَو خمسة ، ويفجر لنا أنهاراً للحرث ، وتحملنا الريح إلى اليمن أو الشام أو الحيرة ذهاباً ورجوعا ، وإلا فادع الله تعالى أَن تحملنا موتانا ، أَو يجعل الصخرة تحتك ذهبا تغنينا عن رحلة الشتاءِ والصيف ، فنزلت الآية ﴿ بَلْ لِّلهِ الأَمْرُ جمِيعاً ﴾ لا يخرج شىء عن قدرته ، فلو شاءَ لكان التسيير والتقطيع والتكليم بلا قرآن ، ولو شاءَ لفعل ذلك به ، وقد شاءَ أَلاَّ يؤْمنوا فلا يؤْمنوا ، هذا وجه اتصال بل بما بعدها ، أو لم يفعل بالقرآن ذلك بل لله الأمر ، فالإضراب متعلق بأنه لم يفعل بالقرآن ذلك ، يوجوز اتصالها بما دلت عليه لو من الانتفاء ، ويجوز كونها لمجرد انتقال كلام الآخر ، وقوله : بل لله الأمر جميعاً قائم مقام أنه قادر على ذك ، وأنه لم يفعله لأنهم لا يؤمنون ، ويناسبه قوله تعالى ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ألم يقنطوا من إيمان هؤلاءِ الكفرة مع ما رأوه من عنادهم ، والمحرم الإياس من الله لا من المخلوق ، اَو أَلم يعلموا ، كما قال سحيم :
أَقول لهم بالشعب إذ يأْسروننى … أَلم تيأَسوا أَنى ابن فارس زهدم
وقال رباح بن عدى :
ألم ييأَس الأَقوال أَنى أَنا ابنه … وإن كنت عن أَرض العشيرة نائيا
والهمزة مما بعد الفاءِ ، أَو يقدر : أَغفلوا أو أطمعوا فلم ييأَس الذين آمنوا ، وواو غفلوا الذين آمنوا على التنازع ، قال بعض الصحابة للنبى صلى الله عليه وسلم : ادع الله فيفعل لك ما طلبوه ، فنزلت الآية ﴿ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ إلى الإيمان تعليل للاستفهام الإنكارى ، وقد أجاز قوم التعلق بأَحرف المعانى ، كأَنه قيل : بطلت غفلتكم وعدم إياسكم ، لأنه لو يشاءُ الله ، أَو بأَنه ، والهاءُ للشأْن ، أَو يتعلق بمحذوف ، أَى لا يؤمنون؛ لأَنه لو شاء الله يأْمنوا ، أَو ييأَس بمعنى يعلم على لغة هوازن ، أَو قوم من النخع ، أو لغة النخع ، أو يستعمل اليأْس فى معنى العلم؛ لأَن الآيس من الشىءِ عالم بأَنه لا يكون ، كالرجاءِ بمعنى الخوف ، والنسيان بمعنى الترك ن وذلك أَن اليأْس مسبب عن علمهم بأَن إيمانهم الميئوس منه لا يكون إلا معلوما ، وأَما تفسير اليأْس بمعنى التبين فنظر إلى حاصل المعنى لا الصناعة؛ لأَنه لم يقل : للذين بلام الجر ﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ من أهل مكة ﴿ تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا ﴾ بما صنعوه من الشرك والمعاصى وجورهم ، أَو بصنعهم والباءُ سببية ﴿ قارِعَةٌ ﴾ فعلة من الله ضاربة لهم كقتل وأسر وحرب وجدب وغارة على مواشيهم ، أو يقدر داهية قارعة ، لكن داهية يحتاج معها إلى تقدير موصوف مؤنث أيضا بحسب الأصل ، أَو يقدر عذاب قارعة ، على أن التاءَ للمبالغة ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ تلك القارعة ، أَو أَنت يا محمد ﴿ قَرِيباً مِّنْ دَارِهِمْ ﴾ مكة كما حللت من مكة عام الحديبية ، ويبحث بأنه لا دليل على تخصيص كفار مكة ، وبأن حلوله يوم الحديبية لا يمتد إلى إتيان وعد الله ، إِلا أَن يقال : حتى غاية إصابة القارعة ، وبأَن حلوله فيها للعمرة لا للقتال وصدوه إلى قابل ﴿ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللهِ ﴾ موعوده من النصر لك عليهم بالفتح ، أَو موتهم بلا قتل ، فمنهم من مات بالقتل كمامر ، ومنهم من مات ذليلا حزينا كأَبى لهب ، ولا يصح التفسير بيوم القيامة؛ لأَن الأَمر انفصل بفتح مكة ، إِلا على معنى لم تخافون ذلك ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ الوعد ولا الوعيد؛ لأَنه لا يكذب ولا تبدو له البداواغت ، وقد أنجز الله - جل جلاله - وعده وسلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ ولَقَدْ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ ﴾ عظام كثيرين ﴿ مِنْ قَبْلِك ﴾ وهدد قومه بما فعل بأُمم الرسل قبله فى قوله ﴿ فَأمْلَيْتُ ﴾ أَمهلت ملاوة من الزمان أى مدة فى تمتع كالبهيمة فى المرعى مدة ﴿ لِلَّذِينَ كَفرُوا ﴾ من أُممهم ، دل هذا على أن فاعل الاستهزاءِ هو الذين كفروا إذ لا يستهزىُ أَحد ، ويجازى غيره على استهزائِه ، لا تزر وازرة وزر أُخرى ، والآمر باشلاءِ كفاعله ، فقد يهلك الآمر دون المأمور الفاعل بأَن تاب من فعله ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ عن حياتهم وملاذهم ومصالحهم وأَملاكهم بالإهلاك ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ لهم استفهام وتعجيب وتعظيم ، أى هو واقع موقعه من الشدة والعدل والبعث به فى حال خلو بالهم منه ، وحال الفرج ، ورجاءِ الخير ، وذلك أشد ، وكذلك أفعل بالمستهزئين منك يا محمد ، فالآية تسلية له صلى الله عليه وسلم .