تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة النحل

الجزء النحل · صفحة ٠
[سورة النحل — آية 7]

﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ ﴾ حكم على المجموع ﴿ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ ﴾ الأَثقال جمع ثقل وهو الشىءَ الثقيل وما يحتاج المسافر وغيره فإِن من الأشياء ما يعجز الإنسان عن حمله ولو ميلا إلا نفسه ، والمراد الأحمال كذا قيل ، وهو خطأ والصواب أن المعنى لا تبلغوه ماشين على أَرجلكم غير حاملين لشىءٍ إلا بشق الأنفس إلا بتعب عظيم ، أَو إِلا بشق قوتكم أى بنصفها وغيره زائل بذلك إطلاق الشق على ما دون النصف أيضاً وتحتمله الآية ، ويجوز أَن يقدر غير بالغيه بها أى مع الأَثقال المحمولة على الأنعام إلا بشق ونكر البلد للتعظيم فى البعد قال ابن عباس : هى اليمن ومصر والشام ، ولعله نظر إلى أنها متاجر أهل مكة ، ولعله أراد التمثيل كما مثل بعضهم بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فالظاهر أَن المراد البلد البعيد مطلقا وأَن ذلك فى الذهاب والرجوع وهذه الخطابات الماضية والآتيات مخالفات للغيبة فى الإنسان من قوله تعالى : ﴿ خلق الإنسان ﴾ لكن المسمى منها التفاتا هو الأول فقط وهو لكم فى قوله عز وجل : ﴿ خلقها لكم ﴾ وما بعده تبع له على أَصله ، حتى لو اغتاب بعد الأَول لكانا التفاتا منه إلى الغيبة ، والآية جاءت على الغالب ، أو على من شرع فى السفر على المعتاد فلا تنافى كرامات الأَولياءِ ولا تبطلها فى طى مسافات الأرض يصلون المواضع البعيدة فى زمان قريب بقرينة الوجود ومشاهدته ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفُ رَّحِيمٌ ﴾ كما لم يعاقبكم عاجلا وأَنعم عليكم بالأَنعام الحاملة ومنافعها ، وقدم رءُوف مع أَنه أَخص إِذ هو أشد من الرحمة ، للفاصلة لأَن بآخر الفاصلة نون ، وإنما يناسبها ميم لتقاربهما بخلاف الفاءِ فبعيدة عن النون .

١٬٩٠٨ / ٦٬٢٣٦