سورة النحل
الجزء النحل · صفحة ٠﴿ وَيَجْعَلُونَ للهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ لأَنفسهم وهو البنات والشركة فى الرئاسة ، أثبتوه لأصنامهم مع الله ، وهو يكرهون أن يشاركهم فيها أحد ، وإِهانة الرسل وهم يكرهون إهانة رسلهم ، وإعطاء أرادل الملل لله ، وهم يكرهونه لأنفسهم ولأَصنامهم ، وكانوا إِذا رأوا ما جعلوه لله سبحانه أركى بدلوه لآلهتهم ، وكما عاب عليهم الكذب بقوله :
﴿ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ﴾ فهم جمعوا بين الجعل والكذب ﴿ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى ﴾ فى تأويل المصدر بدل من الكذب مطابق أو يقدر الباء أو خبر لمحذوف أى هو لهم والأول أولى ، والمراد بالحسنى الجنة على سبيل فرض البعث والتقدير كقوله : ﴿ ولئن رُدِدْتُ إِلى ربى لأجدن خيراً منها منقلبًا ﴾ ﴿ ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى ﴾ بعض ينكر البعث ، وبعض يجيزه ويشك فيه ، وبعض يقرون به ، حتى إن أحدهم ليربط البعير النفيس على قبر الميت ويتركه إِلى أن يموت ، ويقول : يحشر عليه صاحب القبر ، فهؤلاء أقروا بعث الناس والحيوانات ، ويدعون الاشتراك مع المؤمنين فى نعيم الآخرة ، كما اشتركوا فى نعيم الدنيا .
قال الله عز وجل : ﴿ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ﴾ ومنهم من يقول النار للمؤمنين ، والجنة للمشركين لكثرة أموالهم ونعمهم ، فتكون الآخرة كذلك ، وتحتله الآية فجعل تقديم الظرف لنحصى فكذبهم الله عز وجل بقوله :
﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ﴾ لا للمؤمنين ، وتقدم معنى لا جرم ، ومنه أن لا نفى لما قبل ، أى لا حسنى لهم ، أو لا يصح ما قالوا ، وجرم بمعنى حق ، وأن لهم الخ فاعله ، والجواب بأن لهم النار يقوى تفسير الحسنى بالجنة ، وقد يقال : الحسنى العاقبة الحسنى .
﴿ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُون ﴾ مجاوزون الحد فى المعاصى ، ووصف ألسنتهم للكذبة مبالغة فى وصف كلامهم بالكذب ، كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة ، وألسنتهم تصفها وتعرفها ، وسلّى الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله :
﴿ تَاللهِ لقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ فأصروا على قبحها وكفروا بالمرسلين ، وكذبوا وأهلكوا دنيا وأخرى ، ونجا المرسلون ومن تبعهم من سخط الله فى الدنيا ، وفازوا فى الآخرة ، كذلك أنت يا محمد ومن آمن مع أمتك الذين لم يؤمنوا .
﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ ﴾ ولى لأمم ﴿ الْيَوْمَ ﴾ هو الدنيا أو هو حين التزيين حكاية للحال الماضية ، كأنها حاضرة ، أو هو يوم القيامة كأنه حاضر لتحقق الوقوع بعد ، ويجوز عود الهاء لكفار قريش الشيطان بليهم بالغرور فى الدنيا حين التزبين ، أو الضمير للأمم على تقدير مضاف ، أى ولى أمثالهم ، والأمثال قريش أو لقريش ، والأمثال الأمم ، والولى المقترن بهم فى الدنيا بالإغواء ، والغرور فى الآخرة بالاجتماع فى النار ، وشدة ضيق النفس بالاجتماع بهم ، والقرن فى حديد واحد ، ونحو ذلك ، وإذا النفوس زُوِّجت ، يا ليت بينى وبينك بعُد المشرقين أو الولى فى الآخرة الناصر على التهكم بهم ، أولا ولى لهم يتوهمونه يوم القيامة ، إلا هو وهو لا يصرف عن نفسه ، فكيف بهم .
﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يوم القيامة .
﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ﴾ يا محمد .
﴿ الْكِتَابَ ﴾ القرآن .
﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ﴾ للناس الذين فى زمانك ، ودخل بالأولى قومه ، أو المراد قومه ، وقدم التبيين على الهدى والرجعة لتقدمه فى الوجود ، وهذه الآية تقوى أن الناس قبل هذه الآية المشركون من قومه ، المعهودين لكن لا مانع من أن يرادوا هنا ، لو عم هنالك فيرجع الضمير إليهم لقرينة التبيين ، بإنه إنما يبين لمن فى زمانه ، فيتصل البيان لمن بعده بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم إلا لمن قبله .
﴿ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أى خالفوك فيه من الافتعال الذى بمعنى المفاعلة ، أو اختلفوا فيه معك ، وذلك هو التوحيد والقدر والقضاء والبعث ، وأحوال القيامة والفرائض والمحرمات وسائر الأحكام .
﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴾ نصب على التعليل والعطف على محل تبين لاتحادهما مع الإنزال زماناً وفاعلا ، ولما كان التبيين له صلى الله عليه وسلم لا لفاعل الإنزال جُرَّ باللام ، ووجهه مجرور الحرف مفعول به ، وصل إِليه بالحرف فحمل مجرور هذه اللام النصب على التعليل ، والأولى نصبهما بأنزلناه مقدراً ، ولا يجوز فى الفصيح مررت بزيد وعمرا بنصب عمرو .
﴿ لِقوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ به ، خصهم بالذكر ، لأنهم المنتفعون والمعتبرون ، وكذا : ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ونحو ذلك فى مجاله .